» أعمدة » تساؤلات هامّة على هامش البكالوريا

تساؤلات هامّة على هامش البكالوريا

علي خفيف

42 مقال
منذ شهرين حجم الخط طباعة |

اطَّلَعْتُ مرّةً على نَصِّ سؤالٍ من أسْئلةِ إحدى الـمسابقات في مادّة الثّقافة العامّة، موجَّهٍ لطَلَبَةٍ ثانويين أوروبيين في بداية تشكيل الاتحاد الأوروبي، جعلني أدرك لماذا بَرامجُنا التعليميّةُ بعيدة على الواقع ولا تُعَلِّمُ التَّفْكير، وأتساءل لـماذا لا تكونُ أسئلةُ امتحاناتنا في الـجزائر بهذا العمق وبـمثل هذه الأهداف النبيلة؟. كان السّؤالُ كالتالي: “ماذا تضيف إليك معارفُك التي درستَ في مادّة الآداب لكي تُـحَقِّقَ  الـمُواطَـنَةَ وتُساهمَ إيجابيّا في إثراء التنوّع الثقافـي داخل الاتحاد الأوروبـي ؟ أذكر خمس إضافات ملـموسة يـمكن تـحقيقُها عمليّا في الواقع”..أستطيع أن أراهن على أنّ كثيرا من طلبتنا في العلوم الإنسانيّة لا يعرفون أيَّ علاقة بين ما يدرسون وبين الواقع الذي يعيشون فيه، ناهيك عن معرفة العلاقة بين حسن المواطنة والفنون والآداب والذوق الرفيع، كما أستطيع أن أقول إنّ كثيرا من أسئلة امتحاناتنا ليس لها أهدافٌ وطنيّة أو أخلاقيّة أو حضاريّة أو إنسانيّة، ولا تهدف إلا لقياس مدى قدرة الطلبة على الحفظ والاجترار، حتى ولو كانوا لا يعرفون معنى ما يحفظون!..إنّـها الـمقاربة بالـمُـحتوى- رغم أننا تخلينا عن هذه المقاربة في الأدبيات – حتى ولو كان هذا المحتوى فقيرا فكريّا أو بعيدا عن الواقعيّة، فالذي يحفظ أكثر ينجح أكثر حتى ولو كان مشلول الفكر والذكاء!.. في الوقت الذي انتقل فيه الغربيّون منذ مدّة طويلة إلى الـمقاربة بالكفاءات التي هدفها استغلال الـمعلومات التي يتلقاها الـمتعلم في الواقع، وتطبيقها عمليا في المواقف التي تواجهه في حياته اليوميّة خارج الـمدرسة والـجامعة..الـهدف من التعليم وفق هذه الـمقاربة هو أن يكتسب الـمتعلّم من خلال كل المواد التي يدرسها مهارات ميدانيّة نافعة، تُشْعِرُه بالشراكة في صناعة الحياة، وتنعكس إيجابيّا على حياته الخاصة وعلى مـحيطه الاجتماعي.. فلا يبْذلُ القارئُ جُهداً كبيراً، كي يُدْرِكَ كيف يستثمرون كُلَّ شَيْءٍ-حتى أسئلة الـمسابقات- من أجل أَنْ يُعلِّمُوا أبناءهم الإبداعَ في التفكير العميق، والكفاءةَ في التَّحليل والنَّقْد، اللَّذَيْن تكون لهما آثار ملموسة تنعكس على واقعهم القومي ومصالح أوطانـِهم، ويعلِّموهم البراغماتيّةَ والواقعيّةَ وروحَ المبادرةِ والمسؤوليّة، وقوَّةَ الطرح والاقتراح التي تنعكس كلّها على صناعة حسّ الـمواطنة، وتجعل الواحد من أبنائهم يدرك أنّ الأفكار التي يتعلّمها ينتفع بـها يوميّا في واقعه، وبالتالي يجب عليه أن يشعر بالـمسؤوليّة التّامّة تجاه كل المواد التي يدرسها.. كما يعلّمونـهم القدرةَ على السَّيْقَنَةِ (فهم القضايا في سياقاتـها التّاريـخيّة والواقعيّة) والإسقاط (معرفة انعكاسات القضايا وتأثيراتـها على الواقع اليومي) بينما نـحن نُعَلِّمُ أبناءنا في كثير من الأحيان مـمضُوغاتٍ خاويةً من الـمضامين، وخُطَاطَاتٍ شَكْليَّةً يستخرجونها بطريقة آلية من النُّصوص، دون التَّرْكيز على الـمضامين والـخلفيات والأنساق الفكرية الـمُضْمَرة، أَوْ نـحشو أدمغتَهم بكميَّاتٍ هائلةٍ من الـمـحفوظات والـحَشْويّات، التي يتقيَّأونـها بشَكْلٍ آلـيٍّ كُلَّما طُلِبَ منهم ردُّ البضاعة، دون إضافة تعليقٍ واحد، بَلْهَ تحليل أو نقد، فكأنّه مـحجورٌ على أبنائنا التفكير أو إبداء الرّأي!…ثُمَّ يـحلو للبعض بعد ذلك أن يتساءل: لـماذا أصبحتْ منظوماتُنا التربويَّةُ، لا تُخْرجُ كثيرا من الـمفكِّرين والـمبدعين والنوابغ والأذكياء؟ ولـماذا نـحن لا نُنتِجُ الأفكارَ، ونستوردُها من الغرب؟!..لقد صدق من قال: إن مهمّة التّعْليم ليست في تَعلُّم الـحقائق والـمعلومات، وإنـما في تدريب العقل على التفكير.

نشر