كان أبي يعود نهاية كل أسبوع من العمل بحقيبة مملوءة بصحف ومجلات راقية فرنسية واسبانية ناهيك عن صحيفة الشعب والمجاهد بحجمها الكبير .. كنت وأنا في أيامي الأولى في الابتدائي ألتهمها التهاما ورقة ورقة أتحدث مع الصور فأضحك مع هذا وأغير شكل هذا بقلمي وان أعجبتني صورة ألتقطها بمقص أمي الكبير الذي كانت تستخدمه في الخياطة أما صحيفة الشعب والمجاهد فاصنع بأوراقها الكبيرة بيتا من ورق أختفي فيه للحظات سرعان ماأخرج منه حتى لاتخنقني رائحة حبر المطبعة..

وفي مرحلة أخرى كنت مغرما بصحيفة المنتخب الأسبوعية الرياضية أتابعها بشغف وأنتظر نهاية الأسبوع حين يعود أخي أحسن من متقنة عين بوسيف ومعه الصحيفة بلونها الأخضر الفاتح اسرقها خلسة..

أذكر اول قصة اشتراها ابي لنا نحن الثلاثة كانت مع بداية عطلة الصيف  حول قيصر فرنسا(نابليون بونابرت)، كان اسمه يبدو لي ثقيلا ولم اتحمس لقراءة حياته..سوى صوره التي ظهرت لي أن الرجل مجنون او مهرج بلباسه التقليدي الفرنسي في تلك الفترة. مع ذلك كنت مغرما بالرسوم المتحركة وخاصة قصة مغامرات توم سوير المأخوذة من رواية مارك توين التي يتحدث فيها عن طفل عاش قبل الحرب الأهلية في امريكا سنة 1876 .. لكن ابي كان يصر أن أذهب للمسجد لصلاة الظهر وقراءة القرآن في عز حرارة الصيف. كنا نحفظ القرآن في غرفة بجنب المسجد حيث لا مكيف ولا نوافذ ولا مقاعد سوى الواح خشبية وفقط وضعت بإحكام على أطرافها حجارة. ولكنني كنت أشعر بالسعادة كل صباح حينما أقرأ على الشيخ سليمان ماحفظته أمس في الحر… ثم يمنحني فرصة مسح اللوحة بالصلصال رفقة بقية الرفقة. كان انتصارا حقيقا لي وانا العب وألهو  لفترة اكون فيها أنتظر أن يجف الصلصال على اللوح في شمس الصباح..وفي تلكم اللحظات آخذ خنجرا (بوسعاديا) متروكا في جامع القرآن أستخدمه كمبراة  لقلمي الخشبي من شجرة القصب بعد ان اكون قد استلمت (الدواية) المحبرة التقليدية المكونة من خلطة خاصة مع صوف الغنم وبعض الماء.

كان بيتنا العائلي يستعد لفرحة خاصة بعد الظهر. فرحت أمي كثيرا ورأيت السعادة اول مرة بعيون أبي أتعرفون  لماذا..؟…..يتبع في الحلقة السادسة.