محمد بوضياف
تمثل الابعاد الجغرافية، الاقتصادية والتجارية للجزائر احد اهم اركان قوتها، فهي اكبر بلد افريقي من حيث المساحة، وتتواصل مع سبع دول جارة بما فيهم الصحراء الغربية من خلال شريط حدودي يقدر بأكثر من ستة آلاف وخمسمائة كلم (6511)، وتحتل المرتبة الاولى مغاربيا من حيث الناتج الداخلي الخام، والثالثة افريقيا، بالإضافة الى امكاناتها التجارية الضخمة، فأكثر من ست وأربعين بالمائة (46٪) من تعداد سكانها اقل من خمس وعشرين سنة (25)…
تلتقي هذه الخصوصيات بسياقات جديدة للمنظومة الرأسمالية في اطار العولمة، وما انتجت من فرص في اتجاه القارة السمراء قد تحتاج الى اجابات سريعة ومكافئة لرسم نموذج جزائري للاستثمار يستوعب حركة التنافس لاقتصاديات القوى العالمية على اختلاف تطلعاتها وإمكاناتها، ويجيب ايضا وبكل وضوح عن التساؤلات المركزية فيما اذا كانت الجزائر ستكتفي بلعب دور الكومبرادور الدولي، ام انها ستقود انطلاقا من الجزائر وبإمكانات ذاتية مسار النمو الافريقي؟…
قد تحدد معالم الاجابة ما تقوم به المؤسسة الاقتصادية الوطنية من جهود، وما يحدثه رجال الاعمال من ابداعات في هذا المجال، سواء عبر عقد الشراكات وجلب الاستثمارات، ولكن ايضا اكتساب القدر الكافي من التكنولوجيا وقدرات التسيير الحديثة لخوض المبادرة (المغامرة) كاملة، وكذلك ما توفره الدولة كراعية للفرصة من اطار قانوني مرن يشجع ويحفز فرصة الاقلاع، وكذلك يحمي ويؤمن مكتسبات البلد وقدراتها، وقد يحدد معالم الاجابة ايضا انخراط الجامعة ومراكز التكوين المهني من خلال ما توفره من تخصصات تستجيب للتحدي وتفتح افاق الابداع الجزائري…
قد يواجه النموذج الجزائري بعض الصعوبات ما لم يقنع الشركاء الفاعلين، خاصة الولايات المتحدة، التي اعلنت افريقيا هدفا اقتصاديا بمجرد وصول القائد الجديد للبيت الابيض السيد ترامب، ودعوته لإزاحة الصينيين من على هرم التبادلات التجارية، كما الاخفاق في ضبط الامور مع فرنسا “الحساسة” قد يعيق المشروع، لما لها من علاقات متينة ومؤثرة في القارة، وكذلك لما لها من سبق في هذا المجال، وعليه فإن دور الدبلوماسية الجزائرية وحسن التعامل مع الشراكة الفرنسية له وقع كبير على رحلة الجزائر في التخلص من التبعية للنفط وبناء اقتصاد حر ومستقل يستجيب لتطلعات الجزائريين وتضحيات شعبها…
ان مسألة الصحراء الغربية تقع في قلب الفرصة المعروضة، وتعنت الجار المغرب في حل النزاع، وتصميمه على منافسة الجزائر على قيادة الدخول الى القارة الافريقية ولو عبر البوابة الاطلنطية ومن ثم ضرورة ابتلاع دولة الصحراء الغربية، قد يعرقل المفاوضات مع الاوروبيين وإخراجها عن مسارها العقلاني بمرافقة الجزائر في تجربتها والاستفادة من نتائجها ان تمت، فالرهانات الامنية الاورومتوسطية ترتبط اساسا بالتعاون والتكامل، ان لم نقل الاندماج على الاقل على مستوى البوابة الشمالية لإفريقيا…
ان تجديد قاعدة القيادات وتأهيلها لقيادة هذا التحدي يستدعي ايضا بناء مؤسسات قوية وفعالة تكرس الاستقرار السياسي الضروري كقاعدة لانطلاق مشروع المنافسة الدولية، وإن كل امتهان لهذه المؤسسات عبر المساس بشرعيتها، او السماح بوصول المتسلقين سيكون بمثابة تهديد لمكتسبات الجزائر، وسيتحمل الشعب اولا مسؤولية مرور هؤلاء الضعفاء ممن لا هم له الا مصالحه الشخصية، كما تتحمل السلطة الحالية ذلك بوصفها صاحبة الفكرة والمشروع.