د.عطاءالله فشار

يقول سبينوزا في رسالته في اللاهوت والسياسة “هناك فرق كبير بين العبد والابن والمواطن، فالعبد يضطر إلى الخضوع للأوامر التي تحقق مصلحة سيده والابن هو من ينفذ أفعالا بناء على اوامر والديه تحقق مصلحته الخاصة، وأما المواطن فهو ينفذ بناء على أوامر الحاكم أفعالا تحقق المصلحة العليا وتحقق في الآن نفسه مصلحته الشخصية..”.

إننا ونحن في الجزائر نسعى إلى إنجاح وتكريس الإصلاح السياسي المتنوع في شتي الجوانب الذي هو مطلب يتجاوز مطلب الثورة الذي تقلص حضوره بل يكاد يندثر في أدبيات العمل السياسي والفاعلين فيه بسبب حالة الوعي المتقدمة لدى المواطن والفاعلين السياسيين من منطلق الاستفادة من تجارب دول أخرى باستثناء بعض المعارضة السلبية التي توظف حالات اجتماعية أو بعض عناصر الهوية أو توقفت عند لحظة تاريخية معينة لتثبت وجودها ولكن الزمن سيتجاوزها حتما لأن الطبيعة تأبى الفراغ. إننا اليوم نتجه نحو الإصلاح والإصلاح المتدرج ولهذا نتحدث عن تدبير الانتقال الديمقراطي السلس والهادف والبناء ونحرص على توطين الديمقراطية نجد أنفسنا بحاجة إلى المواطنة والتربية عليها وهي من المواضيع التي انتعش الحديث عنها في خطابات الساسة عبر العالم وفي فضاءات المجتمع المدني وهذا بفعل مطالب الإصلاح والتنمية وأيضا بسبب مبادرات بعض الفاعلين الدوليين الذين يحاولون صناعة خرائط جديدة في العلاقات الدولية معينة ومقصودة ومدروسة لخدمة اهداف معينة ومن هنا فإن إدراك المعنى والتفاعل معه كفيل بأن يكون أداة إيجابية في خدمة الوطن والتنمية فالحديث اليوم عن المواطنة العالمية والمواطنة الديمقراطية وهي تحوّلات وإرهاصات تعكس المتغيرات الجارية ولا ينبغي أن تدفعنا للتخلي عن الأولويات التي صنعت من مفهوم المواطنة أفقا للعمل من أجل مجتمع يملك الإرادة والقدرة على بناء نفسه في إطار التعاقد والتوافق والديمقراطية فلا ينبغي البحث في دلالة المواطنة اليوم بعيدا وبمعزل عن العناوين الكبرى لمظاهر التغيير الجارية فنحن معنيون بالعولمة وتداعياتها وبتأثير وسائل الاتصال الجديدة وهنا علينا العمل على تربية مجتمعاتنا على المفهوم ودلالاته والتقليل من العوائق التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي تعيق ترسيخ المفهوم والتربية عليه. إن الديمقراطية ليست مجرد آلية لتوزيع المكاسب بل إنها ترتب وتدبر الحقوق التي من بينها الحق في وطن حر تسوده المساواة وتحكمه قوانين حصل توافق بشأنها بالجدل والحوار ومختلف طرق الإقناع السلمية، ومن هنا فإن التربية على المواطنة تعد بمثابة مدخل التفكير لإعداد مجتمع حداثي لا ينكر جذوره وهو ما سيقلل من كل بعد اثني أو ديني دون نفي لهما مقابل إعطاء الاعتبار للرابطة المدنية، حيث أن تشبع المجتمع بالمواطنة ينعش الحس المدني والقيم المدنية ويجعل من الإصلاح السياسي شأنا يهم المواطن كما يهم الدولة ويصبح الحرص على حمايته وإنجاحه هما مشتركا وينشر ثقافة المشاركة الفاعلة سواء السياسية أو في الشأن العام بكل متطلباته والعمل على إدماج أكبر قدر من المواطنين في عملية الإصلاح وتطوير المجتمع وهو ما يجعل مجتمعنا في منأى عن أي ربيع عربي كما يريد البعض، فربيعنا في تعايشنا وتسامحنا والحفاظ على الممتلكات العمومية وحماية وطننا والحفاظ على أمن الوطن ووحدته والتصدي لكل عابث به من أي جهة كانت وباسم أي شعار والتمسك بمرجعيتنا الدينية والوطنية.