بقلم: عمر هارون

[email protected]

السياسة جزء من منظومة الأفكار المتماسكة التي تسير البلدان، وتعرف اختصارا بالإيديولوجيا، فمن أراد التغيير عليه استهداف هذه المنظومة الفكرية المتكاملة، لا العمل على تغيير نتيجة فرعية التي تسوس الناس، إن جل المفكرين اعتزلوا السياسة وأهملوها لعلمهم أنها ليست الطريقة الصحيحة للتغيير، بل هي الوسيلة الأسهل للظهور وإشباع حاجة الإنسان من الشهرة، أما التغيير الإيديولوجي، فعمل قاعدي طويل الأمد يستمر لأجيال وأجيال، فالمراهن على الساحة السياسية لطرح البدائل، وإيجاد الحلول للمشاكل الموجودة واهم، متسرع، نلومه ولا نشكك في وطنيته وصدق نواياه، خاصة أننا في حالة من التعفن الواضح، الذي أنتج لنا نخبا سياسية لا تتورع أن تتبادل الأدوار، من السلطة إلى المعارضة ومن المعارضة للسلطة، بخفة وسرعة تحاكي تلك التي يملكها الملاكم فوق الحلبة، حتى لا تضيع المصالح، وتتفكك العصب، وتنتقل السلطة من منظومة إلى أخرى، ولعل أبرز ما يؤكد هذا الطرح، انصهار العديد من المدافعين عن حقوق الشعب والمواطنين في المنظومة الإيديولوجية الحاكم بمجرد جلوسهم على كرسي المسؤولية السياسية، ليصبحوا من المسبحين بحمد النظام والشاكرين لنعمه، بعد أن كانوا يرونه شيطانا رجيما.

تلك المنظومة المترابطة من الأفكار في شتى المجالات والتي تتخذ السياسة واجهة لها، توهم الجميع أن السياسة هي ديناموا الذي يحرك كل المتغيرات الاجتماعية الاقتصادية التربوية والثقافية، وأنها المسؤول الأول والأخير على انتصارات الوطن وانتكاساته، وهو ما يجعل المزاج العام في الأوطان، يتمسك بكل نظام سياسي حقق للوطن إنجازات وفتوحات، وإن كانت مرحلية، ويطالب بتغييره فورا، إن ألمت بالوطن نكسات ومآسي حتى وإن كانت ظرفية، مما يجعل الإيديولوجيا الرابح الأكبر من العملية، بضمان بقائها في الحالتين، ففي الحالة الأولى رضى الشعب على السياسي يجعلها تبقى محافظة على مكتسباتها ومراكزها، بل قد تحقق المزيد منها في خضم حالة الرضى العام التي تسود البلد، وإن فشل السياسي في احتواء وضبط مصالح الشعب لتعاظم المآسي الاقتصادية والاجتماعية، ضحت الإيديولوجية به ككبش فداء حتى تبقى مصالحها قائمة، فتختفي ملامحها عن الظهور لفترة محددة ثم تعود من حيث لا يدري الجميع، للسيطرة مرة أخرى وبشكل أقوى هذه المرة، نظرا لأنها القوى المنظمة الوحيدة بعد سقوط السياسي، والذي عادة ما يكون صاخبا ومرهقا ماديا معنويا وبشريا للأوطان، فنجد أنفسنا أمام واقع مفاده أن مصائب الشعب عند المنظومة فوائد، هذا ما يجعل السياسي بالنسبة للإيديولوجيا بمثابة المنصهرة ( FUSE-FUSIBLE ) للدارة الكهربائية، فتحترق لتحميها من الاحتراق.

هذا الإطار الذي سبق، ذكرني بما كان عند الإغريق القدماء، والذين عبدوا عدد كبيرا من الأصنام من بينها إله يُقال له ديونيسوس، وهو إله العربدة لديهم، حيث كانوا يقيمون له مهرجانا سنويا يدوم يوما كاملا، يباح فيه للمواطنين أن يفعلوا ما يشاؤون من المحرمات، فهم أحرار في قول وفعل ما يريدون حتى سب حُكامهم، انتقادهم أو الكفر بهم، بشرط أن يعود الجميع إلى رشده في الصباح الباكر كمواطنين صالحين مستقيمين، ولا عودة إلى الحرية والعربدة والتفريغ إلا بعد سنة كاملة، مما يعني أن فكرة التنفيس عن الرعية، فكرة قديمة قدم وجود الأنظمة الحاكمة، التي كانت تسمح لمواطنيها بجزء من الحرية وفق خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، لكن التطور الذي حصل جعل الإيديولوجيات الحديثة الحاكمة تطور هذه الآليات لتجعلها أكثر قدرة على التكيف وتفكيك القنابل المجتمعية المعقدة، بعد أن أصبح التنفيس بالكلام غير قادر على تخفيف الضغط والاحتقان، ومنه أضحت التضحية بالظفر ليعيش الجسد ثمن لا يذكر مقابل المكاسب التي ستحصل، وهذا ما يجعل بعض الرؤساء يسقطون مسؤولي الأقاليم، وزراء وقد يقتلعون حكومات كاملة كنوع من التنفيس المرحلي على الشعب، فإن لم ينفع الأمر يمكن للمتحكمين في الإيديولوجية التضحية برؤساء دول في سبيل المحافظة على بقاء المنظومة الحاكمة، ليبقى السؤال الذي يؤرق الجميع، ما هي الإيديولوجيا التي تسير بلداننا؟، شخصيا أرى أن هذا السؤال هو المفتاح لتحوير النقاش عن مكمن الخلل، فالذي ينساه الجميع أن الإيديولوجيا الحاكمة والمتحكمة مهما كانت لا تحكم لقوتها، بل لضعف ما تواجهه من إيديولوجيات منافسة، والتي أصبح قوامها الخوف والخمول والتراجع والسلبية والتآكل الداخلي، بفعل الضربات المتعاقبة القاسمة التي أصابت منظوماتنا التربوية والثقافية والدينية، مما حطم أي فرصة أمامنا للمواجهة، المشكل أعمق من التغيير الأشخاص، المشكل أكبر من بناء المنشآت، إنها مقاولة الأفكار إنها مقاولة الإيديولوجيات التي تنقصنا.