» أعمدة » حتى نأخذ الدروس والعبر من أزمة التسعينيات

حتى نأخذ الدروس والعبر من أزمة التسعينيات

منذ 6 شهور حجم الخط طباعة |

قراءة في كتــاب الفـيس من الــداخل

بقلم/ عماد بن عبد السلام

      كتاب “الفيس من الداخل من بويعلي إلى على بن حاج”، للإعلامي محمد يعقوبي، هو حوارات أجريت لأول مرة مع كبار قادة الفيس المحظور بعد نكبة الجزائر التي حدثت بعد توقيف المسار الانتخابي في 11جانفي 1992 من قبل المؤسسة العسكرية فانجرت عليها عشرية سوداء أتت على الأخضر واليابس مخلفة وراءها 200 ألف ضحية.

 

هذه الحوارات نشرت لأول مرة في جريدة “الشروق اليومي” الجزائري، يوم كان الأستاذ محمد يعقوبي رئيسا لتحريرها، كما أن بعضها حوارات مُتلفزة بُثت في قناة “الشروق”.

 

حوارات جريئة بأسئلة متسلسلة تاريخيا تروي أحداث متلاطمة، تحكي مأساة حمراء بلون الدم الحرام; سوداء في ذاكرة شعب خرج لتوه من ثورة ضد محتل ومستدمر غاشم، ليدخل في حرب أهلية دامت قرابة 10 سنوات، وللأسف الشديد.

 

الملاحظ لأسئلة الأستاذ محمد يعقوبي يعلم إحاطة الرجل بكثير من حيثيات القضية ومحطات تاريخية، بل تجده يصرّ على طرح سؤال أو يعيده على محاوره بطريقة أخرى، محاولة منه أن يستخرج كبد الحقيقة.

 

يعتبر الكتاب فريد من نوعه وحيد في بابه، كسر بابا كان موصدا منذ تلك المحنة، وكسر الجليد على شهادات حيَّة، وكشف الكثير من الملابسات. هو وثيقة لمعرفة جزء كبير من الحقيقة، وخاصة أنها شهادات حية لأحد الأطراف ممن صنعوا الحدث وأحدثوه دون رواية عنهم.

 

وهم كالتالي كما ذكروا في أصل الكتاب:

= أحمد مراني، المؤسس القيادي المنشق عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ؛

= شهادة شقيق مصطفى بويعلي. مصطفى بويعلي الذي يُعتبر أول إسلامي حمل السلاح ضد السلطة. أتت شهادة سيد أحمد بويعلي، أخ مصطفى، كرد فعل على بعض تصريحات أحمد مراني؛ = الشيخ كمال قمازي المحسوب على المنهج السلفي، وأحد أكبر مسيري حزب الفيس؛ = الشيخ الهاشمي سحنوني، أحد أهم قيادات الفيس والمحسوب على المنهج السلفي كذلك؛

= أحمد بن عيشة أمير الجيش الإسلامي بالغرب الجزائري؛ = الشيخ العلامة الحسين السليماني –رحمه الله- الذي لعب دورا فاعلا في الوساطة بين السلطة وشيوخ الفيس ومهندس مؤتمر سانتيجيدو بروما. كتب كل هذه التفاصيل نجله الأكبر الدكتور أحمد السليماني؛ = انتهاء بمدني مزراق، الأمير الوطني للجيش الإسلامي للإنقاذ.

 

أتي هذا الكتاب في جزئين، في كل جزء حوالي 450 صفحة، طبع: الشروق للإعلام والنشر.

قدم لهذا الكتاب كل من السيد: عبد العزيز رحابي، أستاذ جامعي ووزير سابق، والإعلامي أحميدة العياشي. وبما أنه ما من عمل بريء إلا ويناله نقص، وكما قال الإمام الشافعي –رحمه الله- ((أبى الله إلا أن يتم كتابه)). وأنا أقلب صفحات الكتاب وأعيش معه تلك اللحظات، انتبهت إلا بعض النقاط التالية:

 

1/ لست أدري ماهو دافع الأستاذ محمد يعقوبي في تعمده لتهميش ذكر الشيخ عبد المالك رمضاني، وكتابه “مدارك النظر”، الذي قدم له كل من محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله-، وفضيلة الشيخ العلامة عبد المحسن العباد البدر –حفظه الله- من حواراته، لأن الرجل والكتاب أشهر من نار علم –كما يُقال- في تلك العشرية، وما للكتاب من الأثر الحميد في نزول بعض الشباب المسلح المغرر به.

 

2/ وكذلك فضيلة الشيخ أبي عبد الباري العيد الشريفي، الأستاذ بجامعة الخروبة، وهو المعروف بمناقشته للمسلحين بجبال الشلف وتيارت وجبل الوحش بقسنطينة؛

 

4/ قفز الأستاذ محمد يعقوبي على محطة تاريخية مهمة، وهي زيارة كل من الشيخين عباس مدني وعلي بن حاج للشيخ الألباني في الأردن خلال جولتهما للسعودية والعراق؟، والحوار المشهور بين الشيخ علي بن حاج والعلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-؛

 

5/ كم تمنيت كذلك أن يذكر فتوى الألباني وبعض طلابه في الجهاد المزعوم بالجزائر، وكيف كانت سببا في نزول المغرر بهم، وكيف استقبلها من بقي في الجبال؛ صراحة دخل في نفسي شئ لتهميش هذه النقاط الكبيرة في تلك الحقبة مما يدعونا للتساؤل، لماذا كل هذا التهميش، هل هو لغياب المعلومة لدى المحاور، كلاَّ فهي مشهورة شهرة فتنة الجزائر!، هل يمكن القول: هي محاولة لتقزيم تلك المواقف؟، أم محاولة لتهميش الدعوة السلفية من الجزائر وأثرها الحميد في حقن دماء المسلمين؟؟؟.

كما أنني أقف وأسجل تعقيبا على من زعم أن “كتاب الفيس من الداخل” أصل في فهم قضية أزمة التسعينيات، لأستدرك عليه أنه رغم قيمة الكتاب التي لا ينكرها إلا مكابر، إلا أنه لا يمكن بأي حال أن يكون هذا الكتاب وحده كافيا لفهم الأزمة، لأنه يروي أحداث الفيس من بعض الغرف وليس من كلها، بل هناك غرف أكبر وأوسع لا تزال غامضة ومظلمة، وأقصد بذلك شهادات كل من الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، لأن تأثيرهما في الفيس وخارجه أكبر ممن حاورهم الأستاذ يعقوبي بكثير، أضف إليهما كل من الشيخين بوخمخم وجدي، وآخرين من مجلس شورى الجبهة الإسلامية للإنقاذ. كما وددت أن يرفق لنا الأستاذ محمد يعقوبي القائمة الاسمية لمجلس الشورى حتى نأخذ فكرة كاملة عن قيادة الفيس، بل لا يمكن فهم القضية جيدا، وخاصة بالنسبة للأجيال القادمة وإثراء للذاكرة الجماعية إلا بكتاب يوازي هذا الكتاب، بعد تمام إضاءة كل غرف الفيس اسمه: “حكم الجنرالات من الداخل”.

 

 

نشر