أوضحت الدلائل على وجوب إصلاح الزوايا ببلاد القبائل، مشروع ثقافي طرحه الإمام محمد بن سعيد ابن زكري الزواوي في أوائل القرن العشرين، والهدف كان تغيير صورة التعليم التقليدي في المدارس والمعاهد الجزائرية عامة، وفي بلاد زواوة خاصة.

اعتبر الدكتور محمد عبد الحليم بيشي، محقق الكتاب، أن المشروع التعليمي الثقافي الذي قدمه ابن زكري يحتاج اليوم إلى كثير من العناية والدراسة من خلال الذهاب إلى النص الأول للمشروع، والذي يعتبر من أهم المشاريع التي قدمتها النخب الجزائرية، في بداية القرن العشرين تحت ضغوط الصدمة الاستعمارية وأوجاع التخلف الذي تم الكشف عنه من طرف الوافد الاستعماري، خاصة في إطار الشروع في مناقشة المشروع التعليمي، وإعادة النظر في بنية المؤسسة التعليمية التقليدية، المتمثلة في مؤسسة الزوايا وبالتحديد في منطقة القبائل، لتكون نموذجا لبقية المؤسسات التعليمية في الوطن.

وقد كان لمساهمة النخب الجزائرية، في إعادة تقييم الوضع المكتشف تحت مظلة الإصلاح وتوابعه هي دعوة للإصلاح، الكلمة ذات الحضور القوي في الهيئات العالمية في المشرق والمغرب، حيث تنادت الدعوات للتحديث والتغيير بعد الصدمة الحضارية العميقة، التي تركها الاصطلام مع الغرب الاستعماري، الذي هيمن على العالم الإسلامي وأطبق عليه كلية بالقوة والفعل.

كتاب أوضح الدلائل على وجوب إصلاح الزوايا ببلاد القبائل، الصادر عن دار البصائر من تأليف طرحه الإمام محمد بن سعيد ابن زكري الزواوي، وحققه الدكتور محمد عبد الحليم بيشي، الذي يؤكد في مقدمته التحقيق وفي بقية التعليقات، أن الكتاب وثيقة مهمة تكشف عن طبيعة تعاطي النخب الجزائرية مع القضايا المصيرية والمهمة في الحياة، وبالذات أثناء الأزمات الحادة، والتي تكشف عن البعد العميق والتاريخي الذي تحلت به هذه النخب، والطبيعة العلمية الصارمة والمسؤولية الاخلاقية الفريدة، في دراسة الأوضاع والتعامل مع المشكلات الطارئة.

إن مشروع محمد بن سعيد ابن زكري الزواوي، جاء بعد الصدمة الاستعمارية العنيفة التي تعرضت لها الجزائر، والتي أتت على المكونات الثقافية للجزائريين نتيجة حصار التعليم العربي والإطباق على الميراث الصوفي، الذي كانت تؤويه الزوايا العلمية التقليدية، وبعد المشاريع الثقافية الفرنسية القاصرة في التعليم الابتدائي، وغيره في تأسيس المدارس العدلية العليا، تلمسان، الجزائر، قسنطينة، والتي رامت تخريج جيل وسيط بين المحتلين والجزائريين المغلوبين، والتي تطورت فيما بعد إلى ما يعرف بالثانويات الفرنسية الإسلامية بعد الحرب العالمية الثانية.

إن ظروف كتاب ابن زكري تميزت بشدة التوتر، خاصة وبعد اطلاع النخبة العلمانية التي بقيت في الجزائر، ولم تهاجر منها على أنظمة التعليم الجديدة، كان الكر على القديم الذي لم يفلح في التحدي الثقافي مع فرنسا، فجاء هذا المشروع من ابن زكري لإصلاح ما يمكن إصلاحه، والإبقاء عليه حتى لاتأتي عليه القوانين والمراسيم الفرنسية.

سفيان.ب