فايزة لعمامري

لازال التضارب قائما حول هوية المثقف المنصفة والدقيقة، هذا المصطلح الحديث عهد باللغة العربية، ولازال النخبوي يلعن المثقف ويشكك في وجوده بسبب اختياره الحياد وافتقاده لمواقف صارمة إزاء القضايا المصيرية للأمة، حتى صار الجميع يتساءل: من يلعن من؟.. ولكننا بأي حال من الأحوال لازلنا نتفق أن المثقف كما ورد بالحرف الواحد في المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية يعمل على “استنارة الذهن، وتهذيب الذوق، وتنمية ملكة النقد والحكم لدى الفرد والمجتمع” –انتهى- فأين هو من النقاش الثقافي الجاد والمثمر؟

إن أول ما يمكن أن يتبادر إلى ذهن من يشتغل في هكذا موضوع هو الاستفهام التالي: هل نحن نمتلك المثقف وثقافة النقاش، وكل ما في الأمر أننا نفتقر إلى وسائل إعلامية، ومؤسسات خاصة لاحتضان النقاش الثقافي والكثير من مستلزماته الأخرى، أم أن كل هذه الأخيرة متوفرة في حين أننا نفتقر إلى ثقافة النقاش، ونكابر على هذا الأخير خاصة إذا تعلق الأمر بالخصوم والمختلفين عنا؟

في الحقيقة إذا تحدثنا بناء على مكاسب اليوم فإنه لا تنقصنا المؤسسات بقدر ما ينقصنا العنصر الآدمي الفاعل بصدق وذكاء وحرية، فالصدق ضرورة كي يكون للحراك أبعادا حقيقية تتجاوز الحد الشخصي، والذكاء ضرورة من أجل تنظيم مثالي للنشاط، والحرية ضرورة من أجل إبداع غير مشروط، ولكن في غياب الثلاثي المتلازم أو نقص عنصر من عناصره، انتقل النقاش الثقافي من الواقع إلى الافتراض ومن تم الانقراض، لقد وجدت عوالم التواصل الإلكتروني لتدعم شتى أنواع التواصل ووسائل الاتصال، لم توجد لتلغي الواقع، ولكن الكارثة أن المثقف صار يعتكف في موقعه أو حسابه أو منتداه ليتحاشى أي حوار فكري جاد قد ينتهي بخسارة الود مع صديق أو زميل ما، لأننا أبعد ما يكون عما قاله دالي لاما: السلام لا يعني غياب الصراعات، فالاختلاف يستمر دائما في الوجود، السلام يعني أن نتعامل مع هذه الاختلافات بوسائل سلمية –انتهى قوله-، من هنا يتأكد لنا أن ثقافة النقاش لدينا إما غير مكتملة، أو أننا في حالة تقصير تجاه ما نمتلكه من معرفة عن أساليب الحوار الراقي والهادف، لأننا لا نحرص على تطبيق معارفنا حتى في أقل زوايا الحياة أهمية، ولذا علينا أن نعلم جميعا أن النقاش يجب أن يكون بعيدا عن محاولة استفزاز الطرف المحاور، أو الانتقاص منه واستضعافه بشكل ما، أو الإصرار على اثبات أو تثبيت الخطأ على فكرة الآخر التي تحتمل الصواب،ﻭﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺼﻮﺍﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺘﻤﻞ ﺍﻟﺨﻄﺄ، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ ﺍﻻﻧﺘﻬﺎء ﺇﻟﻰ ﺣﻜﻢ ﻓﺎﺻﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﻗﻔﻴﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﺮﺅﻳﺘﻴﻦ، ﺇﻧﻤﺎ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻫﻮ ﺇﺛﺮﺍء ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﻣﺮﺍﺟﻌﺘﻪ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺇﻟﻘﺎﺋﻪ ﻧﻈﺮﺓ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺩﻭﻥ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﺳﺘﺒﺎﻗﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻓﻜﺮ ﻏﻴﺮﻧﺎ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻒ ﻋﺒﺮ .ﻧﺎﻓﺬﺓ ﺍﻟﻨﻘﺎﺵ ﺇﻥ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻨﻘﺎﺵ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻭﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻨﻘﺎﺵ ﻟﻴﺴﺖ ﺍﻋﺘﺒﺎﻃﻴﺔ ﺍﻃﻼﻗﺎ، ﻭﻋﻠﻴﻨﺎ ﻣﺮﺍﻋﺎﺗﻬﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﻨﺎ ﻧﺮﻳﺪ ﺍﻟﺘﺄﺳﻴﺲ ﻟﺤﻮﺍﺭ ﻻ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺑﻘﻄﻊ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﻏﻠﻖ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻤﻨﺘﺼﻒ ﺃﻭ ﺣﺘﻰ ﻗﺒﻠﻪ، ﺃﻭ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺑﺎﻟﺼﺮﺍﺥ ﺍﻟﻜﻼﻣﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺸﺘﺎﺋﻢ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﻭﺍﻟﻤﺒﻄﻨﺔ، ﺣﻮﺍﺭ ﺭﺍﻗﻲ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻌﻤﻴﻖ .ﻭﺍﻟﺠﻤﻴﻞ ﻟﻠﺮﻗﻲ.