مراد ملاح

 

قبل ستة سنوات بالضبط… ذات يوم بتاريخ الأحد 10 /01 /2010، كتبت الإعلامية المصرية إيمان محمد إمبابي، مقالا عبر جريدة اليوم السابع المصرية – طبعا-، بعنوان: من هنا نفهم الشخصية الجزائرية، استهلتها بكيل المديح للشخصيةالمصرية، والتي وصفتها بأنها شخصية متطلعة الى المستقبل، لا تسكن في الماضي الذي يسكن فيه الجزائريون وذلك إثر مشاركتها مع وفد من بلدها في مهرجان مسرحي في شهر ماي من السنة ذاتها.

 

ولأن أشقاءنا المصريين في السنوات الأخيرة لا يُطلون عليننا إلا فيما يسمى بمهرجانات المسرح عندنا(رغم أن مصر غزيرة بإنتاج أبنائها أدبا وعلما وثقافة)، وهي المناسبات الوحيدة لدى القائمين على الثقافة والإعلام ببلدي ،التي تسمح بالإيحاء لمن يتأمل عزوف الجزائريين عن كثير من المناسبات، أن مجتمعنا حي يرزق، متفاعل، ذواق، بل متعطش للمسرح والسينما أو إن شئتم أبو الفنون خاصة ذلك القادم من أم الدنيا، كوننا شعب يعشق مزاوجة الأشياء، تماما كالمثل الشعبي: نلعب ولاَ نحرم (إما ألعب أو احول بينكم وبين اللعب)، ندِي ولا نخسر (إما آخذ نصيبي أو أفسد الموضوع برمته)، تعطيني ولا نبيع (بمعنى تعطيني حصة مما أخذت أو أبلغ)، وغيرها من إبداعاتنا كشعب متقد الذكاء، وهي خاصية لا ينكرها علينا إلا جاهل بالشخصية الجزائرية، ويتسم بالحدية في الطرح، خاصة ما تعلق بأحساسيه وعواطفه، وهي خاصية أيضا يُعرِفنا بها كل من تعامل معنا.

آنذاك وقبل ستة سنوات، كان المحتوى بالنسبة لي صادما، صنفته ضمن ما عنونت به هذه المساحة، وقررت في نفسي أن اعتبر ما ورد في مقالها، جزءا لا يتجزأ من سياق العلاقة التي تربطنا بمصر والشعب المصري، علاقة تحكمها المحبة والتاريخ وكثير من القواسم المشتركة والتضحيات،علاقة لا تخلو من التهكم، والتهكم المضاد، والكثير من التعيير خاصة، بعد حادثة مقابلة كرة القدم، وهي واقعة أعتقد أنها جديرة بالعمل الأكاديمي المختص دراسة وتحليلا.

ولأنني كالعادة، هاو متطفل على الكتاب والمختصين، أضيع باحثا عن محاولات الفهم من زاوية متعددة، عملا بمبدأ إعمال العقل، والموضوعية في التحليل والنقاش، والتركيز على هوية المادة المعروضة بعيدا عن ربطها بخلفية صاحبها، حيث اكتشفت أن ربط المنتَج المزعج بالمُنتِج، هو تكاسل وهروب من قسوة ما قد نواجه، ومحاولة لكسب سلام وهدنة نفسية مع ما يستفزنا كجزائريين أو يجرح مشاعرنا، هروب ذكرني بعبارةأنا محتاج (ة) جدا لميناء سلام (من قصيدة كن صديقي).

 

ولما قررت أن أكون موضوعيا،تراءى لي أننا لازلنا كشعب نحب أن نتحدث عن أنفسنا كدولة تعرضت لأبشع ممارسات التعذيب والتجهيل والاستعمار، وأن لغتنا الممزوجة بلغة فولتير، مردهاقوة تأثير فرنسا فينا، وأننا كما قال وزير الاعلام آنذاك، وزير الثقافة اليوم السيد عز الدين ميهوبي مصرحا لذات الإعلامية: طالت فترة البناء، لأننا كلما أخذنا خطوة للأمام نتراجع خطوات إلى الوراء. مررنا بأزمة طويلة انعكست أسئلتها على كل جوانب الحياة: الأمني والسياسي والثقافي والأخلاقي والاجتماعيلكنه هذه المرة يقصد العشرية الحمراء والتحليل امتداد لرد الأمور إلى التاريخ، حتى نحس أننا معفون من المسؤوليات.

وأن كل مشاكلنا اليوم خاصة في شقيها السياسي والاقتصادي، أضف إليها أزمة التعليم والهوية، مردها أبناء فرنسا تارة وفرنسا تارة أخرى والتي انسحبت جيوشها سنة 1962، من الجزائر، الدولة الحديثة المستقلة والمنضَمة للأمم المتحدة سنة 1962 أيضا، أي قبل 55 سنة خلت، وزادت هذه الكاتبة أحزاني بتذكير من قرأ مقالها، أن فيتنام أيضا استعمرتها فرنسا، ولا أدري أيضا لما استحضرت خبرا مفاده أن شركة فايت جيت الفيتنامية اشترت من بوينغ 100 طائرة (حوالي ضعف عدد طائرات بلدي) بقيمة تقدر بنحو 11.3 مليار دولار وجميعها من طراز 737 ماكس 200، ستسلم بين 2019 و2023.

 

وما إن أحاول تناسي فخ المقارنات المزعجة يزداد تساؤلي، لماذا توقف فهمنا كجزائريين لواقعنا عند حدود فترة الاحتلال الفرنسي، لأن تأثيرها أعمق أن لأن ذاكرتنا قصيرة، أم لجهل متجذر فينا بتاريخنا، أم هو رفض مننا كشعب أن معرفة تاريخنا وملابساته لن ينفعنا في شيء لبناء الحاضر، أم أن هذا الرأي نقول به فقط لما يتعلق الأمر بإخفاقاتنا فنهرول للتعليل بالتاريخ؟؟

ولمن لا يعرف الجزائر فالصورة ليست سوداء، فهنالك شعب طيب أصيل وطني بفطرته، عاشق لبلده، غيور عليها، يحتفظ بجزء كبير من قيمه المتعددة الأبعاد المترامية الدلالات، مع عقدة التاريخ والمساحة وعدد السكان، عقدة جعلت اليقين الجمعي الجزائري يعتبر المساحة علامة قوة وعدد السكان أيضا وهو ما يتنافى تماما مع الآداء الاقتصادي للبلد الذي لا يزال يعتمد اعتمادا شبه كلي على مداخيل البترول والغاز، عقدة بوجهين، نبرر اخفاقنا في بعض المجالات بالاستعمار الذي تعرضنا له، ونرفض معرفة تاريخنا لرسم مستقبلنا لأننا لا نؤمن بأن التاريخ مرآة الشعوب نردد أننا لا نعيش في التاريخ لكن التاريخ يعيش فينا، ويعكس تحليلنا لواقعنا المُعاش.

وحتى أختم من حيث بدأت من مصر الكنانة، عبق التاريخ وزخمه يمكن أن يتحول إلى عبء مقاوم لتطور الشعوب، وأغاني جميلة الكلمات، قبيحة الألحان عن لبن سُكب هنا وأرضٍ اغتصبت هناك ،فلا الحضارة الفرعونية بقدمها وإبهارها للإنسانية نفعت مصر اليوم، التي تعوم مع جنيه يعوم، ولا معارك الثورة الجزائرية وأغاني رايح درياسة، والطيارة الصفراء حققت للجزائر تطورها المنشود، وبين هذه وتلك ،يبقى فهم النفسية الجزائرية، في اعتقادي المتواضع، متطلبا قويا وملحا لأي مشروع يريد بالجزائر خيرا، أيا كان لونه اقتصاديا أو سياسيا أو فكريا أو اجتماعيا أو ثقافيا …وعلى الطريقة الجزائرية أختم:

اللي افهم يفهمنا يرحم والديكم ……

 

الدوحة 10 /10 /2017

*المماحكة بمعنى المُلاجَّة، والمُنازعة في الكلام إلى درجة التمادي

*مجاكرة من جكر: الجُكَيْرَةُ تصغير الجَكْرَةِ وهي اللَّجَاجَة، ونقول أَجْكَرَ الرجلُ إِذا لَجَّ في البيع، وقد جَكِرَ

 

@mellahmrd