» أعمدة » إهمال العلوم الإنسانيّة.. كوارث في المجتمع وأخرى في التّنميّة

إهمال العلوم الإنسانيّة.. كوارث في المجتمع وأخرى في التّنميّة

علي خفيف

18 مقال
منذ شهرين حجم الخط طباعة |

أ.د.علي خفيف

 لقد ظلّت كوارث إغفال العلوم الإنسانية تتفاقم وتنتج التخلّف في بلداننا.. بسبب السيّاسات التّعليميّة التي أخذت تُوَجِّهُ الطلبة ذوي المعدَّلات الضَّعيفة جِدّا إلى الشُّعب الأدبيّة، ليتخرّجوا أدباء، وعلماء اجتماع، وفلاسفة، وحقوقيين، وإعلاميين، ومعلِّمين يصنعون أجيال المستقبل، ومفكّرين ينظِّرون للفكر والثقافة وحقوق الإنسان والتّنمية !.. وقد يتوجّه بعضُ هؤلاء الضّعفاء لدراسة الشّريعة ليتخرَّجُوا علماءَ دينٍ يؤُمُّون النَّاسَ، وينتجون فكرا معتدِلاً يُبدع في صناعة الحياة، ولا يلقي بالشَّبابِ المتَعَطِّش روحيّا في جحيم الانكفاء على الذات وكراهية الآخرين والتعصّب والتطرّف والإرهاب!…

بينما تُوَجِّهُ منظوماتُنا التربويّةُ الممتازين إلى الشُّعَب العِلْمِيّة، ليتخرّجوا تقنيّين، لا تتجاوز رسالتُهم الوَرَشاتِ الصغيرةَ!. قد يعود الأمر إلى سوء تقْديرٍ داخِليّ، أو قد تكونُ بعضُ الجِهَات يهمُّها أن تنتجَ أدباء، ومفكّرين، ومحلّلين اجتماعيين، وقُضَاةً، وإعلاميين يصنعون الرّأي العام، ومسيّرين، وعلماء دين.. محدودِين يَسهُل استخدامُهم!.. فراحَتْ تُعمِّقُ الشَّكَّ في دَوْرِ العلوم الإنسانية والاجتماعية -على عكس ما هو عليه الأمر في الغرب- وأصبح السّؤال عن جدوى دراسة العلوم الإنسانيّة يلاحقنا أينما ذهبنا، حتى من قِبَلِ النُّخَب معتبرين أنّ:״العلوم الإنسانيّة لا تُطْعِمُ الخُبْزَ!..״ في حين أن العلوم الإنسانية هي التي تبني الإنسان الذي ينتج الخبز.. حيث يؤكّد كثير من الباحثين في مجال التّنميّة، أن مساهمة التّكنولوجيا في التّنمية الشّاملة قليلةٌ جدا، إذا قورنت بالعوامل الإنسانيّة والاجتماعيّة، المتعلّقة بالبيئة الحاضنة والذِّهنيّات وشخصيّة الإنسان وطبيعة التّسيير ..ودليلهم على ذلك أن جُلَّ العلماء المبدعين يُهمَّشون عندنا حتى يـختطفَهم الغربُ الذي يوفِّر لهم البيئة والمناخ الاجتماعيّ والإنسانيّ والنفسيّ والقانونيّ الأنسب للإبداع.. وعندئذ فقط نكتشفُ نحن قيمتَهم، ونذرفُ بعض دموع التّماسيح على هجرة الأدمغة!..

أمنيّةُ كُلِّ الجزائريين أن يدرس أبناؤهم الطبَّ أو الهندسةَ.. ومن يتوجّه إلى العلوم الإنسانيّة، يعقّدونه بالأسئلةُ السَّاخرة مثل:״ما الذي تفعل بهذه الشَّهادة؟!.״ أو ״ألم تجد ما تدرس؟!.״ وكأنّ الذين درسوا الطبَّ أو الهندسةَ قد حقّقوا لنا الاكتفاءَ الذاتي في مجال الأدوية، أو صنعوا لنا الطّائرات، أو البواخر، أو القنبلة النّوويّة، أو حتى إبرةً للخياطة!… والحال أنّنا نَكَادُ نبيعُ للغربِ الثّلْجَ، لنشتريَ مقابلَه من الغرب الماءَ الباردَ، بأثـمانٍ مضاعفةٍ عشراتِ المرّات!.كلُّ ذلك لفرْط ذكاء نـُخَبِنَا في التّسيير والإدارة والتَّخطيط والاستشراف، والقائمين على المنظومات التّعليمية!..فعندنا فقط يتوجَّهُ المتفوِّقون جدّا إلى كلّيّات الطبِّ والهندسة، ويتوَجَّهُ الضُّعفاءُ إلى القانون والاقتصاد والتّسيير وعلم الاجتماع وعلوم الاتصال والإدارة و… وبعد التَّخَرُّج يُسَيّـِرُ الضعفاءُ الذين درسوا في كليّات العلوم الإنسانية والاجتماعيّة والقانونيّة المتفوِّقين الذين درسوا الطبَّ والهندسة!.. ولنتصوّر ماذا يحدث..خاصّة بعد أن كان المتفوّقون يمطرون الآخرين بكُلّ أنواع السُّخريّة والتَّعالي قبل التخرّج..أنا لا أدعو إلى أن يتوجّه الفاشلون إلى دراسة الطبّ، بل أدعو إلى أن يُوجَّهَ الأذكياءُ أيضا إلى دراسة الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وتُـحْظى بالاهتمام اللائق بـها، لأنها ذات أهميّة قصوى في التنميّة الشّاملة.

 

نشر