استعرض شيخ الطريقة القادرية الحسن الحسني العديد من المسائل التي تعاني منها الزاويا اليوم، وقال إنّ هذه المؤسسة التي ولدت من رحم الجزائر مازالت تحافظ على رسالتها، وهي تعليم وتحفيظ القرآن وأصول الدين الاسلامي الحنيف ونشر الوعظ والإرشاد وإصلاح ذات البين، كما تحدث ضيف ” الحوار” على ما يقوّّض عمل هذه الهيئات وقضايا أخرى تمس بمفاصل الزوايا عبر هذا اللقاء الذي خص به جريدة ” الحوار”.

* هلا شرحت لنا بالضبط ما حدث لكم في فعاليات أسبوع القرآن العظيم؟

 -ما حدث كان بمثابة زوبعة في فنجان، وقد تم إصلاح سوء التفاهم، وتم الفصل فيها واتضح الأمر، ودفاعي عن المرجعية مع الشيوخ كان له أسبابه، ويجب علينا الآن كمؤسسة دينية والطرق الصوفية أن نرسي ونكرس لمبدأ التآخي في كل ربوع الوطن، وتظاهرة أسبوع القرآن الكريم الذي جمع تحت رايته حفظة القرآن العظيم والأئمة والمختصين في الشريعة والفقه الإسلامي، والقائمين على المدارس القرآنية وشيوخ الزوايا، وأظن أن ملاحظاتي كانت في محلها، بحيث يستوجب علينا احترام كل هؤلاء الذين تم ذكرهم، باعتبارهم مرجعية صحيحة مستمدة من المذهب المالكي، والذي يعد مكسبا دينيا وجدوره ممتدة إلى نبينا محمد _ صلى الله عليه وسلم_ لا يحق لأي كان استصغارهم ولهم مكانة مرموقة في المجتمع، لأنهم الرصيد المتبقي لنا، وانتقادنا كان للمصلحة العامة، ولم تكن لدينا نية مبيتة لزرع النعارة والفتنة، أو دعوة للخروج عن الحاكم، وزعزعة استقرار الدولة الجزائرية، بل نداءنا كان للوحدة ولم شمل الشعب الجزائري.

 

*ما تعليقك على الوضعية التي هي عليها الزوايا في راهننا اليوم؟

للأسف الشديد، السلطة الجزائرية لم تعط لها الأهمية التي تليق بها وبمقام مريديها، وهذه فرصة كي أتحدث بإسهاب، والخوض إلى أعمق نقطة في هذا الموضوع، فزوايا اليوم تعاني من وضعية كارثية، وكما تعلمون هذه المؤسسات الدينية تابعة للطرق الصوفية، وعددها يفوق 11 طريقة، وهي منتشرة عبر الوطن، وهي موزعة في القرى والدماشر، ولها أتباعها ليس فقط من داخل الوطن، بل ذاع صيتها حتى خارج الجزائر، والأولى أن يحدد كيفية حماية هذه الهيئات الدينية، مثل باقي المؤسسات الأخرى.

 

*ما هي طبيعة هذه الحماية؟

نريد قانونا يعترف وينظم هذه الزوايا، ويصدر في الجريدة الرسمية، ويكون ساري المفعول، كما استغربنا عدم ذكرها في الدستور الجزائري، لأن الزوايا حصن الأمة وذرعها الواقي لدرء الضرر والذود عن العقيدة والمرجعية الدينية للشعب الجزائري، والموجود حاليا عبارة عن جمعيات يقوم الطالب بجمع 15 شخصا بهدف إنشاء جمعية طبقا للقانون المتعلق بإنشاء الجمعيات، ويتحصل بعد ذلك على اعتماد رسمي من الجهة الوصية، وهذا طبعا لا يفي بالمطلوب، في حين يجب أن تكون الزوايا مقننة ضمن قانون يعرف بـ” قانون الزوايا”، ومن خلاله يعطى لشيخها الصلاحيات الكاملة التي تمكنه من خدمة الدين والطريقة ومريديها، وبالتالي خدمة الوطن، وعلى الساسة الجزائريين مراعاة هذا المطلب، خاصة وقد عرفت الزوايا وأتباعها وقد عرفت الزوايا تراجعا، وأهملت وهمشت ولم يعد لها قيمة، للأسف هناك بعض الأطراف تتلاعب بها ، وأصبح ينظر إليها كل حسب منظوره الخاص، و أضحى يتلاعب بها وأصبح ينظر إليها كل حسب منظوره الخاص، ويتصرفون فيها تبعا لأهوائهم وتبعا لرؤيتهم الشخصية، وطبقا لمآربهم السياسية، علما أن هذه القلاع الدينية هي فوق كل هذه الحسابات المذكورة آنفا، فهي تمثل مرجعية مقدسة، ولدت من رحم الجزائر، رغم الضربات العديدة التي منيت بها في عدة محطات التي مرّت عليها، إلا أنها لم تستطيع غمرها، ويكفي الزاويا شرفا أنها استطاعت الحفاظ على الشخصية والهوية الجزائرية، وهي المؤسسة الوحيدة التي بقيت في يد الجزائريين إبان عهد الاستدمار الفرنسي، وبالتالي علينا إرساء قواعد رسمية للزوايا حتى لا تغرق في مستنقع التفرقة، و حتى لا نعطي الفرصة لهؤلاء السياسيين الذين يريدون إقحام الزوايا في أغراض سياسية، ويبقى دورها فقط خدمة الدين والدعوة إلى وحدة صف الأمة الجزائرية.

 

*وزير الشؤون الدينية والأوقاف قال بوجود بعض الفرق التي تدعو إلى نشر المذهب الشيعي والفكر الأحمدي، أم هو ذر للرماد في الأعين؟

-فيما يخص الفكر الأحمدي القدياني، نستطيع القول إنه لم يحظ بأتباع، بل ما نجده فقط بعض الأشخاص فقط، ولا يستطيع في حال من الأحوال أن يتبع هذا المنهج، ولن تتحول إلى عقيدة، همنا الوحيد هو مرجعية المسجد، والفتوى والمرجعية التي تكون مبنية على كتاب الله وسنة رسوله الكريم _ صلى الله عليه وسلم_، والنهج الأحمدي، والشيعي هي كلها تصب في خانة ذر الرماد في الأعين ليس إلا، والشعب الجزائر المعروف بولائه لرسوله الله _ صلى الله عليه وسلم_ والمحافظة على مبادئ وأصول الدين الإسلامي الحنيف، لن ينحاز ولن يؤمن بعقيدة هؤلاء الذين يمكن تصنيفهم ضمن الفرق الضالة، التي تسعى لإخراج المؤمن عن دينه وعقيدته السليمة.

 

*الزوايا تتعرض إلى هجمات تحاول زعزعتها، ما تفسيرك لذلك؟

 

-فعلا هذا المشكل وارد وقائم، لكن أعود وأقول إنّ المشكل الوحيد الذي تعاني منه هذه المؤسسات الدينية هي هجوم التكفيريين الذين يكفرون أهل القبلة، والعلمانيون معروفون بعدائهم للإسلام والمسلمين، وبقي الشعب الجزائري يتفرج على هذا الوضع وليس له القوة للدفاع عن ذلك، علينا العمل على تقوية مرجعية الجزائريين، وحثهم على المحافظة على المذهب المالكي، والأشعرية في التصوف.

 

*كيف يتم ذلك في نظرك؟

-يكون ذلك عن طريق فتح المدارس القرآنية في الزوايا وجامعات ومعاهد إسلامية، ينشطها دكاترة مختصين في علوم الدين، ومزودين بمرشدين دينيين من أتباع المذهب المالكي، وليس من هب ودب يدرس في هذه المؤسسات، حتى لا نتسبب في فتح باب جهنم أمام الطلبة وتكوين إطارات تعتنق مذاهب غير الذي عهدتها في شمال إفريقيا، وهو المذهب المتعارف عليه المالكي.

 

*قلت إن الزاوية تعاني، بما تفسر وجود أئمة من خرجي الزوايا هم على منابر المساجد؟

 

-من قال ذلك؟، والواقع يؤكد أن كل خريج زاوية حين يريد الإلتحاق بقطاع الشؤون الدينية والأوقاف لابد عليه من المرور على معهد تكوين الإطارات الدينية لمدة ثلاث سنوات، والقليل جدا من تخرج من الزاوية وتم توظيفه في المساجد، وهؤلاء للأسف لم يتم ترسيمهم، وإن رسّموا يتم التضييق عليهم، وخلق البلبلة لتضييق الخناق عليهم.

 

*هلا اختصرت لنا في سطور ماهية الطريقة القاديرية وامتدادها التاريخي؟

 

-هي الطريقة التي تأسست على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني، في القرن العاشر للهجرة، مبنية على كتاب الله وسنة رسوله، لعبت دورا طلائعيا في تحرير الأمة العربية، وكان القائد المغوار صلاح الدين الأيوبي من أتباع الشيخ الجيلاني قدس الله سره، وأعطاه ولدين من أولاده ومن أتباعه في الجزائر، نجد سيدي بومدين الغوث، الذي التقى مع الشيخ الجيلاني في عرفات وطلب منه الذهاب ومحاربة الفرنجة إلى جانب صلاح الدين الأيوبي، وساهم في فتح بيت المقدس، حيث قطع يده ودفنت هناك، وكانت حاضرة في الثورات الشعبية من خلال الأمير عبد القادر الذي ينتسب إلى هذه الطريقة، وبعد انطلاق ثورة التحرير كل مقرات القاديرية تم غلقها وأممت من قبل الاستعمار، ومقر الحكومة الجزائرية في منوبة بتونس تأسست في مكان تابع للطريقة القاديرية، كل أملاكها تحولت إلى مكان تدرب فيه أشبال الثورة، وفيلا منحت للمعطوبين ودار الضيافة أيضا من ممتلكات القاديرية، ومن محاسن هذه الزاوية أيضا إصلاح ذات البين، إطعام المساكن، وتحفيظ القرآن فالذكر عنده هو المعراج في السير إلى الله في الطريقة القادرية، التكفل بالفقراء والمساكين.

 

*الكثير من الزوايا تم غلقها إبان العشرية السوداء إلا أنه لم يتم فتحها إلى حد الساعة، ما تفسيرك؟

 

-هذا كله راجع كما أسلفت لعدم وجود قانون ينظم هذه الهيئات الدينية، فلو كانت تتمتع بحماية قانونية ما حدث ذلك، فالقانون يلزم الجماعات المحلية ومديريات الشؤون الدينية لأي ولاية بالترميم ما أفسده الدهر وخربته الأيادي، وإعادة فتحها من جديد، ولهذا نطالب بسن قانون يحمي هذه المؤسسات، لاعتبارها الموروث الديني والاجتماعي للمنطقة.

 

*هناك من يلصق السحر والشعوذة بالزاويا ويتهمون بعباد القبور، كيف نخلص هذا المبنى الديني من هذا المعتقد؟

 

مردو الزوايا يعبدون الله الواحد الأحد، ونؤمن برسولنا محمد _ صلى الله عليه وسلم_ ولا نعبد غير الله وحده، ونحترم من أفنى حياته في سبيل إعلاء اسم الله، وحافظ على سنة المصطفى عليه الصلاة وسلم، وخدم الخدمات للمجتمع، وعلم القرآن، ولسنا عباد القبور، والولي الصالح ليس بوثن، حتى يتم تحطيمه، أما قضية ” السحر، والشعوذة” هي سلبيات بعض الزوايا للأسف الشديد، لكن لا نعمم ذلك على باقي الزوايا التي تحارب هذا النوع من السلوك الخارج عليهم ضميرهم، وخدموا الله ورسوله، في حين نجد من حذى على منهج هؤلاء وأضلوا الطريق، والسحر عمل من عمل الشيطان، لقد استخدموا الخرافة لضرب الزاوية من قبل أعدائها، الإسلام ديننا، محمد نبينا، القرآن إمامنا، الكعبة قبلتنا، أمنا بجميع الرسل، السنة تجمعنا، والبدعة تفرقنا، وهو النهج الذي نتبعه نحن موريدو الطريقة القاديرية.

* زوايا القصبة منها من أبيدت عن بكرة أبيها على غرار زاوية سيدي محمد الشريف التي لم يبق منها سوى شواهدها التي احتفظ بها أحد تجار المنطقة، والبعض منها تحول إلى مزابل؟

-أحمّل وزارة الثقافة التي رممت كما تقول معظم الأماكن والأضرحة بالعاصمة، كما أحمّل وزارة الشؤون الدينية التي لم تعمل جرد للأضرحة الموجودة على مستوى القطاع المحفوظ بالعاصمة، وترجع أيضا إلى هؤلاء الذين يعتدون على حرمة المقابر المسلمين ظنا منهم أنهم يطهرون المكان من الشرك، بل هم مرجعية للشعب الجزائري ولسكان القصبة، ومنهم نتعرف على أن سكان الجزائر المحروسة مسلمين وخدموا الإسلام، لكن ما عسانى أن نقول في ظل غياب الغطاء القانوني الذي يحمي هذه المباني الدينية من مد الضياع.

 

*تفتقر الجزائر العاصمة إلى المدارس القرآنية، لماذا؟

 

-فعلا هذا المشكل قائم، للأسف لاحظنا في المناطق الوسطى وبالعاصمة تحديدا، لا وجود للمدارس القرآنية تقريبا، وإن وجدت فمحتشمة، ويتم فتحها فقط في فترة الصيف، علما أن الجزائر تفتقر إلى مدرسة قرآنية والموجود قليل جدا، على غرار مدرسة بوهراوة التي تتوفر على نظام داخلي، والسبب في اعتقادي أن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف ومديريات الشؤون الدينية بالولاية لا تحرص على تعليم القرآن على الطريقة الجزائرية، على عكس الجنوب الجزائري، حيث تعج بالمدارس القرآنية، وبطاقم مؤطر ممتاز، علما أن الجزائر العاصمة عبر التاريخ كانت معروفة بمساجدها وبزواياها وبمدارسها القرآنية التي تخرج منها كبار العلماء الأجلاء، وأعدو من على هذا المنبر الجهات المسؤولة الإسراع إلى إعادة فتحها من جديد، وإن خفت الوزارة من هذه المساجد من تغيير نهجها عليها تكثيف الرقابة عليها ومتابعتها عن طريق المفتشين.

 

*ماذا أعدت الزاوية لمواجهة خطر التعصب الديني؟

– الجزائر عانت ويلات الإرهاب، ولا يمكن لأي كان السماح بتدمير الجزائر، والشعب الجزائري مهما اختلفوا فيما بينهم إلا أنهم متفقون على حب الجزائر ووحدة صف الوطن، واحترام ثوابت الأمة الجزائرية، والجزائري استوعب الدرس ولا يسمح لمن يريد المساس بوحدة البلاد، ولعن الله من سعى إلى وقد النار وإشعال الفتن بين المسلمين، والشعب الجزائري فريد من نوعه، فهو مهما حدث لا يقبل بتكرار ما حدث في زمن التسعينيات من القرن الماضي، ويدرك جيدا أن الوطن لابديل عنه وأنه ضحى من أجل تحريره بدءا من المقاومة الشعبية إلى حرب التحرير المجيدة، ومنضوي تحت قيادة جيشه الوطني القوي سليل جيش التحرير الوطني، وعلينا شرح لأبنائنا كل الأمور الخطيرة التي تأتينا من خارج حدودنا، ولا نستهلك أي ثقافة أخرى تكون دخيلة على عاداتنا وتقالدنا ومنافية لتعليم دنينا، حتى نحصن زاد الأمة والممثلة في شبابها الواعد بمستقبل أفضل للجزائر.

 

 

*هناك بعض الأسر التي تحتفظ بالمخطوطات وتعتبر وصية عليها، وترفض تسليمها والاستفادة منها، ما تفسير ذلك؟

 

– صحيح هناك بعض العائلات تحتفظ بالمخطوط وترفض تسليمه حتى لا يضيع، وذلك لانعدام جهة وصية حقيقية يتم تسليمها إياها وتبقى في أيادي آمنة، وهذا هو السبب الذي جعل تلك الأسر ترفض تسليمه خوفا من التلاعب به، ولاحظنا تقصيرا من وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية، وكذا السياسة المنتهجة وعدم وجود رؤية واضحة لوضع المخطوط، وعليه تحرص العائلات على الاحتفاظ به في خزناتها بدل تسليمه، ويندثر مع الزمن، أما إذا احتاجه طالب العلم للقيام بدراسة معينة لابد من مساعدته للإطلاع عليه والاستفادة من المخطوطات التي تعد إرثا فكريا.

 

*كانت الزوايا تضم ما يسمى بـ الوعدةأو الزردةكما تسمى في مناطق أخرى، تحت طائلة الشرك وما إلى ذلك؟

-“الوعدة ” يعني التواعد، التلاقي، تسمح باحتكاك العلماء بالطلبة، وباب مفتوح لكل الفقراء والمساكين للاكل والشرب في إطار أخوي، و”الوعدة” هي التضامن والتكافل الاجتماعي، وفيها يتم فض النزاعات بين الخصوم دون اللجوء إلى المحاكم، ويتم قراءة القرآن والدعاء لله لإنزال المطر.

وخير ما أختم به هذا اللقاء الدعوة إلى نبذ العصبية، والاتفاق على حب الوطن، والوقوف ضد كل من يريد ضرب الجزائر، والمجد والخلود لوطننا الحبيب

حوارته: نصيرة سيد علي