مرت أمس الذكرى الأولى لرحيل الإعلامي والكاتب والمفكر الموسوعي، الطاهر بن عيشة، تجاهل إعلامي وتناسي تام من قبل المؤسسات الثقافية التي لطالما صال الراحل فيها وجال، مقدما فكره وعلمه لكل من رغب في النهل منه، ليتحول بعد سنة واحدة من وفاته مجرد تاريخ في أجندة الراحلين .”الحوار” عادت إلى عدد من رفاق الرجل الذين عايشوه خلال سنوات نضاله الفكري فكانت لهم هذه الكلمات التي تجتمع في مجملها على الظلم الاعلامي الذي طال الرجل في حياته ومماته.

• إعداد: خيرة بوعمرة     

               

الكاتب والإعلامي محمد زتيلي

  • الطاهر بن عيشة مثقف كبير ناضل بشفوية مبدعة أكثر من غيره

يحتاج الحديث عن مثقف مثل الطاهر بن عيشة الى مساهمة بمساحة كبيرة باعتباره رجلا من طراز خاص، ساهم طوال عقود كاملة في المشهد الثقافي والاعلامي بشكل مثير للجدل وملفت للسلطة السياسية التى ترصد بطبيعة الحال كل شخص له تاثير في محيطه العام وهذا امر طبيعي لم يتعود عليه المثقف والكاتب والناشط السياسي في دولة حديثة العهد بالاستقلال ولكنه بعد ذلك صار امرا عاديا يدخل في مهام الدولة باجهزتها المختلفة؛ وهذه المهمة لا تؤثر في قيام المثقف والكاتب بدوره وواجبه ايضا؛ وتبقى المؤسسات تشتغل في إطار الدستور والقوانين بما في ذلك مؤسسات الكتابة والتفكير لأن الكاتب والمثقف مؤسسة قائمة بذاتها.

وقد رويت قصص لا أعرف قوتها من الصحة حول الطاهر بن عبشة كمثقف يمارس حضوره بالتعبير عن وعيه الاجتماعي والسياسي مقابل نوع من الرقابة او المتابعة الامنية عن بعد وهذا امر كان يحكي وقتها كبطولة من طرف الكتاب، فلم اعلم طوال ثلاثة عقود ان الدولة رسميا مارست عليه نوعا من انواع الضغط ماعدا تلك القصة التي حصلت له مع وزير الاعلام بعد احالته على التقاعد ولكنه اعتذر له بعد تضامن المثقفين وعمال التلفزيون. كما ان الدولة في ظرف الازمة الامنية اتاحت له الاقامة مع الاعلاميين في الاقامات الامنية وقد التقيته مرات في هذه الاقامة، وقد عينته الدولة خلال تلك الفترة عضوا في اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات بكل الامتيازات الخاصة بذلك، ورب قائل يعلق بنوع من الاسف فيقول فعلت الدولة هذا بعد ان ضربت التيار اليساري وابن عايشة يساري بامتياز وتاكدت ان التيار الديني المتطرف الذي خدمته السلطة كان اول من غدر بها وعمل بعنف للاطاحة بها. نعم عرف بان ابن عايشة الطاهر يساري اشتراكي وهذا لا يعني انه شيوعي، وهذا نقاش طويل عريض لم يحسمه اشباه السياسيين في الجزائر مثلهم مثل الدهماء والرعاع والغاشي من العامة؛ نعم كان ابن عايشة مثل وطار ومثل بومدين ومثل عشرات الاسماء اشتراكيا ويساريا ولم يكن شيوعيا؛ فمثله مثل من ذكرت ومثل اعداد اخرى من هذا التيار الوطني الحقيقي درسوا في الكتاتيب والمدارس القرانية وتحصلوا على العلوم في الازهر والزيتونة ومعهد ابن باديس ومدارس التربية والتعليم. غير ان طلوعهم من الطبقات الاجتماعية الريفية الفقيرة جعل انحيازهم الفكري محسوما ومتجانسا مع طبقتهم؛ ومن جهة اخرى كان البلد الخارج من استعمار بغيض افقر الشعب وجهله وحرمه من خيراته لم يترك لهم مجالات لاختيارات اخرى، كان الاختيار محسوما على المستوى الرسمي وعلى مستوى الاختيارات الفكرية لعدد من الشباب المثقف. اني أسمح لنفسي بان اطلق على الدور الذي قام به الطاهر بن عايشة بدور التوعية الفكرية النقدية من خلال دور المثقف التقليدي. وهذه الصفة التقليدية لا تلحق فكره التحرري التقدمي المستقبلي بل تلحق اسلوب العمل. فلم يكن الطاهر بن عايشة يكتب او ينشر مقالات الا في مراحل اخيرة عندما اقنعه عبد العزيز بوشفيرات ان يكتب في اسبوعية الشباب الوحدة بكتابة مقالة كل اسبوع واظنها ان لم تخني الذاكرة كانت في معظمها متعلقة بنقل تلك الحلقات التي كان يعرضها التلفزيون حول الاسلام في افريقيا ويعلم بوشفيرات كيف كانت تقدم له الحلقات وغير ذلك من الاسرار والتفاصيل. لكن الطاهر بن عايشة المثقف التقليدي الكبير في تاثيره ومساهماته بتلك الشفوية المبدعة وقد كانت علاقة الاحترام الكبيرة بينه وبين مولود قاسم نايت بلقاسم بسبب هذا وخاصة لاطلاعه المعمق على التراث العربي الاسلامي وتاريخ الزوايا وحركات المسلمين في الجزائر وخارجها.

كان ابن عايشة صديق كل المثقفين وحضوره في المجالس حضور مطلوب ومرغوب وقد شاهدت وعشت ذلك من بلده قمار بالوادي الى الاعوام والشهور بالمدن الجزائرية العديدة بما فيها العاصمة وفي قسنطينة لم يكن ابن عايشة يتخلف عن الحضور والكلام والدعم، والكلام متشعب ذو فروع وتفاصيل أتمنى أن تتاح لي فرصة أخرى للمساهمة. والله المستعان.

 

الدكتور أحمد منور:

  • ذكرى رحيل الطاهر بن عيشة تذكرنا بتقصيرنا في حقه

ها هو عام قد مضى، وها هي ذكرى سي الطاهر تحل من جديد، فتذكرنا بتقصيرنا في حق هذا الرجل، فما أسرع الزمن، وما أبطأنا، ولكن، ومهما كان تقصيرنا فإن سي الطاهر حاضر في قلوبنا، بذكرياتنا الجميلة معه، وبحواراتنا معه التي كان دائما يسبغ عليها نكهة خاصة، من الجد والهزل، ويضفي عليها ألوانا من الفكر المتنور، ومن الثقافة العالية، تجعلها حوارات في غاية الطرافة والمتعة والفائدة. إننا ندعو بهذه المناسبة كل مثقفينا وكتابنا، وكل الهيئات الثقافية في بلادنا إلى اتخاذ مبادرات لإحياء ذكرى الطاهر بن عائشة، وتقديم شهادات عنه، وتنظيم لقاءات تتناول حياته وأعماله، وإطلاق اسمه على بعض الفضاءات الثقافية. رحمك الله يا سي الطاهر، وأسكنك فسيح جناته.

 

الكاتب والصحفي محمد بوعزارة:

  • فقدنا ذاكرة تاريخية وموسوعي نادر

قال محمد بوعزارة إنه يصعب علينا الحديث عن صديقه الراحل الطاهر بن عيشة في زاوية واحدة حيث كان الرجل موسوعي نادر هل يمكن حصره في الذاكرة التاريخية وهو الذي عرف الكثير من رحالات الحركة الوطنية بدءا من مصالي الحاج كما قال لي بن عائشة في اكتور ربعة وخمسين في باريس وكان ظن بن عائشة ان مصالي امي لا يقرا ولا يكتب ولكن عندما دخل إليه في بيته وجده يقرأ مقدمة ابن خلدون، ويضيف بانه رجل استثنائي ويقول “رغم انني سبقته بعام واحد في جامع الزيتونة إلا انه كان يظهر انه اكبر منا وعمقا في نظرته”، والطاهر اذا تحدثنا عنه مجاهدا سأذكر انه سبق ثورة اول نوفمبر فقد قام بعملية فدائية رفقة صديقه عبد الكريم هاني في حزب الشعب بحرق متجر احد غولات اليهود المعروفين بمعاداتهم للجزائر، وقد عرف الطاهر قبل الثورة عددا من الرجال، الطاهر الزيتوني القادم من قمار المدافع عن قضايا العدالة الاجاتماعية عن اليسار بنظرته كبعد لا ينفصل عن تعاليم الاسلام سكنته الصحافة وانظم الى جريدة عصى موسى. الطاهر اذا تحدثنا عن يساريته وهو الزيتوني الغني في الدين والفكر ففي سبعينيات القرن الماضي دعاه مولود بلقاسم نايت بلقاسم لالقاء محاضرة بالعاصمة تحت عنوان اليمين واليسار في الإسلام وطلب مولود من العلماء ان يردوا عليه بالحجة واستنكرت المحاضرة التي اقيمت في رمضان لساعتين اثنتين، ولم يتوقف الا فجر اليوم الثالث على التوالي ولم يستطع العلماء مقارعته بالحجة وقال له احمد حماني يا سي الطاهر كل الناس ينسبون الى آبائهم إلا انت نسبت إلى امك ليجيب قائلا: “إنه لشرف لي أن اكون ثاني رجل ينسب إلى امه بعد سيدنا عيسى ابن مريم”. كان في 83 الطاهر احد المسؤولين لن اذكر اسمه طلب منا المسؤول استشارة واسعة في مجال الإعلام وكان من بين المسؤولين الذي استمع لهم سي الطاهر وعوض ان يقوم بالاستماع لخبرته فإذا به يتكلم لمدة ساعتين او يزيد فقال سيدي الوزير من المفروض انك استدعيتني لتستمع لي لا أن استمع اليك وسأنهي المقابلة، وكان الصحفي الجزائري الأول الذي أعطى تقاعدا مسبقا في عهد الجزائر المستقلة ومنع في مؤسسة ساعد في تشييدها ولهذا أدعو وزارة الثقافة والاتصال ان تقوم بجمع ما لديه من تراث سواء المكتوب من مقالات او محاضرات والروبورتاجات المسموعة والمرئية لتجمع التراث وتقدمه للأجيال لأنه جزء من تاريخنا الجزائري.

 


 

  • الطاهر بن عيشة في أسطر..

سمي الطاهر بن عيشة بـ “الموسوعةالمتنقلة” لذاكرته القوية التي ألمت بالماضي والحاضر، كان الأديب والإعلامي المفكر، المجاهدا والمثقف، الذي تميز عن أبناء جيله وانفرد بذاك الحجم الكبير من الأفكار التي تصدح بالحق والتي كانت محل جدال واسع بين المثقفين، بمسيرة فكرية ونضالية كبيرة، كان من أهم الفاعلين في المشهد الثقافي في فكره ورؤيته ونقده البناء، من خلال مسيرة طويلة، اختزنت الكثير من التجارب الثقافية والإنسانية على مدى نصف قرن وأزيد من العطاء والحنكة والنباهة.

رأى النور بمدينة الوادي، في منطقة غمرة، في ربيع عام 1925 من أصول أندلسية، جذور أثرت فيه ثقافيا وعقليا، ومنحته رؤى أخرى، الذي لطالما حرك فيه حنينا خاصا، ممزوجا بالحب والفخر، والوفاء لمبادئه،  وإصراره على مواصلة نهجه النضالي، رافضا مناصب المسؤولية التي  اقترحت عليه، مفضلا لغة البسطاء ومؤازرته للطبقة الكادحة، انتقل عام 1942 إلى جامع الزيتونة ليدرس علوم الدين، وعاد إلى الجزائر العاصمة بداية العام1949، كان الرحالة الذي حرص دائما على التوثيق بالصوت والصورة من خلال أسفاره الكثيرة، من آخر كلمات الفقيد: “سنبقى نمضي في الطريق الخاطئ الذي يعرف أولّه ولا يعرف آخره، وفي النهاية الخط الفيصل هو تحكيم العقل، لأنّ النضال الذي يجب التخطيط له من قبل طلائع التغيير، هو نضال لم نناضله بعد، وهذا التغيير سيكون بدوره نتيجة لنضال لم نناضله بعد”.

ساهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في تأطير المشهد الثقافي الجزائري، وكان من المؤمنين بدور المسرح في تحريك وعي الشعوب، ما جعله يخوض في مجال التمثيل، ففي سنة 1945  أسس رفقة مجموعة من الطلبة مسرحية “بلال بن رباح”، بعدها انتقل إلى العاصمة وبادر بتأسيس فرقة مسرحية عاصمية، وسماها ”الكوكب التمثيلي الجزائري”، كما أصدر “بن عيشة” سلسلة “حراس التراث” ، ونشر عدة مقالات في صحف ومجلات من بينها “عصا موسى” ، و”ثورة وعمل”، بعدها انطلق في المجال الوثائقي، حيث أنتج عدة برامج تؤرخ وتوثق الحضارة الإسلامية، له رصيد إبداعي ضخم على أكثر من صعيد، ما جعله يتموقع كأحد أهم أعلام الذاكرة الشعبية، التي تبنت مواقف جريئة، دافع فيها عن حقوق المثقفين الجزائريين.

• إيمان.ب