ما يمرّ به اليمن اليوم هو نتيجة طبيعية لمسار عقود من الظلم والاستبداد

*ماذا أصاب اليمن السعيد؟

 

ما أصاب اليمن السعيد هو ما أصاب كل بلاد العرب وتعاني منه بلدانهم من العراق مروراً ببلاد الشام ومصر وليبيا وكل بلاد العرب التي فجرت ثورات الكرامة العربية المهدرة والمستلبة، وهاهي تدفع شعوب هذه البلدان ضريبة ثورتها ومطالبتها بالحرية والعدالة والديمقراطية، المحرمة غربيا على العرب ومجرد التفكير بها، ولهذا وقف الغرب حائط صد لثورات الكرامة العربية وشجع في وجهها كل الثورات المضادة، التي مهما أوتيت وحققت حتى الآن من عوائق في طريق هذه الشعوب نحو كرامتها، إلا أنها لا يمكن أن توقف عجلة التغيير ومن ثم عجلة التاريخ التي لا تتوقف أو تعود إلى الوراء.

*أين وصلت المبادرة الخليجية؟

 

المبادرة الخليجية بصيغتها تلك وظرفيتها تلك، لم تكن سوى آلية من آليات الثورة المضادة لثورة 11 فبراير، التي تعد امتدادا طبيعياً لثورات اليمن الكبرى من ثورة 26 سبتمبر و 14 أكتوبر، عدا عن امتدادها العام لثورات ربيع الحرية والكرامة العربية، التي تفجرت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وبالتالي السياق الذي جاءت به تلك المبادرة وملابساتها لم تكن المبادرة الخليجية سوى أداة من أدوات إيقاف ثورة التغيير اليمنية، والتي فشلت المبادرة حينها لكونها لم يكن يرجى منها سوى إيقاف عجلة التغيير اليمنية، والثمن كان مضاعفا كما نراه اليوم من احتشاد خليجي كبير لوقف عبث تلك اللحظة، تلك المبادرة وطيشها التي سلّمت اليمن لقمة سائغه بيد النفوذ الإيراني وأذرعه الطائفية بضوء أخضر حينها من بعض الأنظمة الخليجية التي كان لها موقف غير منطقي من الثورة في اليمن وكل بلدان الربيع العربي، ذلك الموقف الذي لم يُبنى على قراءة موضوعية منهجية بقدر ما بُني على قراءة عاطفية وانفعالية كان لها نتائج كارثية بعد ذلك تمثل في سقوط اليمن وقبلها مصر وضياع العراق وسوريا، والحبل على الجرار، ما لم يتم إعادة تصحيح مسار تلك السياسات الخاطئة والعدمية للأخوة في الخليج تجاه ثورات الربيع العربي.

 

*كيف وصل اليمن إلى هذا المستنقع؟

 

ما تمر به اليمن من ظروف حرب هي نتيجة طبيعية لمسار عقود من الظلم والاستبداد والفشل السياسي والاقتصادي الذي أدى لقيام ثورة 11 فبراير، وبالتالي هذا الوضع مع عوامل خارجية وإقليمية كلها أدت إلى وصول اليمن إلى لحظة الحرب هذه، ولكن تدخل الأشقاء الخليجيين في الوقت الضائع لتصحيح مسار سياساتهم الخاطئة تجاه اليمن، والذي تمثل بإعلان قيام عاصفة الحزم، التي مثلت خطوة مهمة في مسار تصحيح الأخطاء، فضلا عن كونها أيضاً مساراً اضطرارياً للإخوة في الخليج عموماً والمملكة خصوصاً لحماية أمنهم القومي الذي يتهدده تمدد النفوذ الإيراني الذي بدأ بتطويق هذه الممالك من كل الاتجاهات من العراق فاليمن فسوريا وهلم جر.

وعليه كانت عاصفة الحزم هي نقطة فارقة في مسار الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، رغم الأخطاء والارتباك الذي صاحب هذه العملية، وغياب رؤية واضحة وإستراتيجية لهذه العملية التي كلما طال أمد بقائها كلما كان ذلك بمثابة خصم من جملة أهدافها وتحويلها لصالح الخصم ممثلاً بالمشروع الإيراني وأدواته الطائفية ممثلا بجماعة الحوثي. لكن مع هذا، باعتقادي اليمن بخير كثير وأفضل بكثير من البلدان العربية التي شهدت معارك طاحنة بين الثورة والثورة المضادة، وأهم من هذا كله هو أن الصراع في اليمن بقي محصوراً بين قوى انقلابية متمردة والشرعية السياسية لليمن، مما حفظ الصراع في دائرة الصراع السياسي البحت، ولم يدفع به نحو هوة الاقتتال الطائفي كما هو الحال في بعض المناطق كسوريا والعراق وغيرها.

 

*من يتحمل ما وصل إليه اليمن داخليا وخارجيا؟

 

الجميع يتحمل مسؤليته في اليمن الأطراف الداخلية وكل القوى فيه والإخوة الأشقاء في الخليج، ولكن كل طرف يتحمل نسبة مسؤولية تنبع من الزاوية والمكان الذي هو فيه، بمعنى آخر أعتقد أن الطرف الانقلابي هو المسؤول الأول وبدرجة رئيسية عن هذه الحرب ونتائجها لما مثله من دور سلبي أدى إلى تفجر الحرب من خلال هذا الانقلاب على الشرعية وعلى الإجماع الوطني، وبالتالي يتحملون المسؤولية الأكبر، و باعتقادي أيضاً أن الطرف الشرعي يتحمل مسؤولية من زاوية عدم تنبئه بهذا الانقلاب وتساهله مع وجود كل المؤشرات على حدوثه فيما الإخوة في الخليج كانوا أيضاً من ضمن المراقبين المدركين لمآل الصراع في اليمن، وهو ما دفعهم في اللحظات الأخيرة للانخراط في هذا الصراع بعد أن تباطؤوا كثيراً عن قيامهم بدور سياسي مسؤول تجاه ما يجري في اليمن.

 

*كيف ترى دور الرئيس عبد ربه وحكوماته المتعاقبة في الأزمة وحلولها؟

 

الرئيس هادي هو قمة الشرعية اليمنية المنقلب عليها، ويفترض أن دوره في هذه المرحلة ينبغي أن يكون كبيراً وديناميكياً، أي يتطلب منه جهودا كبيرة ومتسارعة على كل الأصعدة، لكن للأسف هذا غير المتحقق حتى اللحظة من قبل الرئيس لأسباب عدة لا مجال لها هنا، لكن في الآونة الأخيرة رأينا تحركا إيجابياً من قبل الرئيس هادي وعودته للعاصمة المؤقتة عدن، والبدء بجولة زيارات للمحافظات المحررة.

لكن باعتقادي أن هادي ينتظره الكثير من العمل يتناسب وحجم هذه التحديات الكبيرة والوجودية التي تتهدد اليمن وجودا وتاريخاً وأمناً واستقرارا ونظاما سياسيا أيضاً، فالمطلوب من الرئيس هادي اليوم خارطة طريق سريعة أو قائمة أولويات سريعة من خلالها يتم تلافي حالة القصور والركود في أداء الأجهزة الحكومية ومؤسساتها التي تنعكس سلبا على أداء الناس وسير معركة استعادة الشرعية التي بقي منها ما يقارب 60 % من خارطة المهام التي يجب القيام بها ليتسنى لنا الحديث بعدها عن استعادة الشرعية، والحديث هنا عن النسبة ليس نسبة الأرض المحررة وإنما نسبة المهام التي يجب أن تكملها وتملأها الشرعية من تحرير ما تبقى من الأرض والإيفاء بالإتزامات تجاه المواطنيين المعيشية والأمنية وغيرها.

 

*مراحل قرارات الحوثيين من إعلان المجلس والمفاوضات إلى إعلان الحكومة، كيف تفسّرها؟

 

الإنقلابيون لم يكونوا يحسبون أولم يأخذوا في حساباتهم كل تلك الاعتبارات الدولية والمحلية لعاقبة انقلابهم، وهو ما فاجأهم بعد ذلك، تلك المواقف الصارمة من قبل الأشقاء في الخليج والأصدقاء في المجتمع الدولي الذي لم يستطع الاعتراف بهم كحكومة أمر واقع،وهو ما أضعف موقف الانقلابيين وأظهرهم أكبر بدائية في التعاطي مع المجتمع الدولي.

ردّة الفعل الصادمة للانقلابيين من الداخل اليمني أولا وقبل ذلك المجتمع الدولي ثانيا، هو ما انعكس في أداء الانقلابين تالياً، سواء في تشكيل المجلس السياسي أو تشكيل الحكومة أو الذهاب إلى المفاوضات، كلها خطوات افتقدت للقراءة العميقة للمشهد الدولي والإقليمي، مما جعلها خطوات أشبه بالقفز في الهواء.

 

*هل الاعتماد على الدور الإيراني فقط ما يشجع الحوثيين وصالح؟

الدور الإيراني كان رئيسيا بالنسبة لهم لا شك في ذلك، لكن أيضاً موقف بعض الأشقاء في الخليج منذ البداية تجاه هذه الجماعة وتورطهم أيضاً في ترتيب سير الانقلاب والتمهيد له، من خلال التراخي الخليجي أو من خلال ضوء أخضر صدر للإنقلابيين للقيام بالإنقلاب تحت لافتة تصفية الإسلام السياسي، كأحد أهم اللاعبين في قيام الثورة السلمية اليمنية، كل هذا شجع الإنقلابيين، إيران لم تكن سوى المستفيد الوحيد من هذا الإنقلاب الذي لم تخسر كثيراً للقيام به، بقدر ما حصدت نتائجه لصالحها.

 

*هل هناك أدوار عربية سهّلت مهمة الحوثيين وصالح؟

 

لا شك في ذلك، لم يجرأ الإنقلابيون على القيام بما قاموا به لو لم يكن لديهم ضوءا أخضر دوليا من قبل بعض الأطراف ولما تجرأوا بالقيام بالانقلاب، بمعنى آخر الإنقلاب كان بضوء أخضر غربي ودعم و إسناد خليجي إيراني منذ البداية، فقط الخطأ الذي حدث هو تمادي الحوثيين في إكمال مسلسل الإنقلاب خروجا عن السياق المرسوم من قبل بعض الأطراف الخليجية والدولية.

 

*ماذا عن تعز والحصار والمعاناة؟

 

تعز هي قلب اليمن وثوراته وجمهوريته الوليدة، ولذلك دفعت تعز الثمن غاليا من دم أبنائها وممتلكاتهم ومؤسساتهم ومدينتهم، ولم يكن في حساب الإنقلابين شيء غير إسقاط تعز وبعدها ستسلم لهم كل اليمن، ولم يكن في حسابهم أن تقوم مقاومة شرسة كمقاومة تعز التي حققت انتصارات كبيرة رغم شح الإمكانيات وانعدامها، وعليه دفعت تعز الثمن حصاراً ومعاناة شديدة، لكنها بفضل الله وبفضل أبطال المقاومة والجيش الوطني بتعز، تمكنوا من فتح الحصار جزئياً من الجبهة الغربية، وهو ما خفف من المعاناة في هذه المرحلة بشكل كبير، لكن بقي أن الجهة الشرقية للمدينة لازالت محاصرة ولا زال هناك ألوية عسكرية تمتلك سلاحاً كبيرا تدك به المدينة ليل نهار.

 

*ماذا عن المختطفين مدنيين وعسكريين وإعلاميين؟

 

هناك ما يقارب عشرة آلاف معتقل في سجون المليشيات الإنقلابية، ما بين مختطفين ومعتقلين ومخفيين قسراً، عدا عن أسرى الحرب الذين قد يكونوا بأعداد كبيرة، والغريب أن هؤلاء المعتقلين لا نلاحظ أي اهتمام بهم من قبل المنظمات الدولية المعنية في بادرة غريبة وعجيبة، ولأول مرة في تاريخ عملها في اليمن، مما يضع أكثر من علامات استفهام حول دور مثل هذه المنظمات.

 

*من الجهة المستفيدة من الإخلال بالأمن في عدن من اغتيالات وتفجيرات ومن وراءها؟

 

الجهة الرئيسية المستفيدة من قلة الأمن في عدن هو لا شك الجانب الإنقلابي بدرجة رئيسية، والذي يريد أن يثبت للعالم فشل الشرعية في استتباب الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، خاصة وأن معظم هذه العملية التخريبية الإرهابية يتم تنفيذها من قبل جماعات إرهابية قد يكون لها علاقة ما بأجهزة مخابراتية تابعة للإنقلابيين.

فضلا عن ذلك، هناك أطراف محسوبة على الشرعية كبعض فصائل الحراك الجنوبي “الانفصالي” قد يكون من مصلحتها عدم استباب الأمن بعدن بهدف تطويل أمد عدم الاستقرار لتنفيذ مزيد من الأجندات التي تروم من خلالها إفشال الشرعية وإفشال مشروع الشرعية المتمثل بتطبيق مخرجات الحوار الوطني، الذي يعني يمناً اتحادياً لا تقبل به هذه الفصائل الحراكية، والتي تمتلك بعضها علاقات وتواصلات ما مع طهران أو بعض أطراف التحالف العربي التي تسعى لمشروع مغاير لمشروع عاصفة الحزم، وهو الإبقاء على اليمن أمناً موحدا.

*تنظيم الدولة الإسلامية هل هو بتلك القوة في اليمن؟

 

تنظيم الدولة من الأسماء الجديدة التي ظهرت على سطح المشهد اليمني فيما بعد الإنقلاب، وهو لا يمتلك شعبية في اليمن ولا أنصار بعكس جماعة القاعدة التي لها أنصار في بعض المناطق التي تغيب فيها سلطة الدولة، عدا عن ذلك هناك صراع مرير بين أصحاب مسمى تنظيم الدولة مع جماعة القاعدة، وهو ما يصب في صالح القاعدة التي تمتلك الخبرة الطويلة في العمل ضمن مناطق اليمن. عدا عن ذلك، هناك شكوك متزايدة بوجود اختراقات كبيرة لتنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية من قبل أجهزة أمنية تابعة لصالح تحديداً، وهو ما ينعكس على نوعية وطبيعة العمليات التي تستهدف الشرعية وتغفل عن استهداف الإنقلابيين.
*ما رأيك هل هناك تشابه بين الموصل، حلب وتعز؟

حلب، الموصل وتعز، هي من كبرى الحواضر السنية في المنطقة العربية، كمخازن ديمغرافية سنية فاعلة وحواضر علم ونشاط ديني وتجاري كبير، وهذا ما جعلها هدفا مشتركا للمشروع الإيراني في المنطقة العربية وخاصة بعد نجاح مشروع الاستهداف للحواضن السنية كالفلوجية وحمص وغيرها، وبالتالي لم يبق من الحواضر السنية الكبيرة سوى الموصل وحلب وتعز وضرب هذه الحواضن والحواضر سيسهل كثيرا لتمدد المشروع الإيراني في المنطقة العربية كلها.

 

*هل هناك رؤية شاملة للثوار في الوطن العربي؟

 

للأسف هذا غير موجود وربما غير مفكر فيه أصلا، هناك نزوع نحو الفصل بين كل تجربة وأخرى مع أن التجربة والمعاناة تكاد تكون متشابهة حد التطابق، وهو ما يحتم إيجاد رؤية إستراتيجية مشتركة لدى كل الثوار لاستمرار نشاطهم الثوري حتى تحقيق كامل الأهداف، خاصة وأن العدو قاسم مشترك بين جميع ثوار هذه الثورات.

 

*ما تقييمك للدور الجزائري في اليمن وبلدان الربيع العربي؟

 

الجزائر رغم مركزيتها كدولة عربية كبيرة لكنها مغيبة عما يجري في العالم العربي، قد يكون هذا موقف له تفسيره وتبريره لدى الأشقاء في الجزائر، لكننا نقول لهم إننا ننتظر دورا أكبر يكون بحجم الجزائر وعروبتها.

 

*هل نستطيع القول إن الثورة التونسية نجحت بأقل الخسائر؟

 

الحكم بمقاييس النجاح والفشل متعثر فيما يتعلق بتقييم ثورة في محيط مضطرب، ثورة يقف ضدها الجميع في الداخل والخارج، لكن نستطيع القول إن تونس قطعت شوطا كبيرا أفضل من غيرها من بلدان الربيع العربي بموقفها على سكة التغيير الديمقراطي والانتقال السياسي، وإن كان بطيئا لكنها في نهاية المطاف ستصل تونس لمرحلة الديمقراطية الحقيقية ولو تأخرت كثيراً.

 

حاوره: أ. العايش عبد المالك