» أعمدة » نحو ثقافة للوحدة الوطنيّة..

نحو ثقافة للوحدة الوطنيّة..

علي خفيف

54 مقال
منذ 12 شهر حجم الخط طباعة |

أ.د.علي خفيف
بعض المثقفين ينحاز لـما يسمّونه “ثقافة النخبة” أو “الطليعة” التي تتّسِمُ- حسبهم – بالتفوّق والتعالي والرّسْـمية والرّقـــي والتـّـقدّميّة وحتى الغموض أحيانا.. رغم أنها منفصلة عن الجماهير العريضة، ما يجعل أصحابها في أبراج عالية لا علاقة لهم بالشّعب في كثير من الأحيان.. ولذلك يعجزون عن التّأثير في الرّأي العام وتوجيهه، لأنهم يتبنون مستوى من الثقافة متعجرفا وشوفينيا ونرجسيا وبيروقراطيا وبروتوكوليا.. لا يصافح الناس إلاّ بالقفّازات البيضاء…ثمّ تجدهم بعد ذلك يتّهمون الدّولة بتهميش المثقّفين، ويتّهمون الطبقات الشّعبيّة بالجهل والغوغائيّة….ويصفون ثقافة الجماهير العريضة بأنها مبتذلة وعاميّة وبسيطة ومسطّحة وركيكة ورجعيّة وليس فيها شيء من العقلانيّة والجماليّة والنُّـبل!.. رغم أنها هي التي تحرّك السّواد الأعظم من الناس، وتشكل الـمخيال الجمعي العام للأمّة.
والحقيقة أنه لا يجب أن نجعل للثّقافة مستويات تفضيليّة، كما يجب على الدولة الاهتمام بثقافة كل فئات المجتمع فكما تُعنى بذوق النخبة، عليها أن تـُولـي العناية اللازمة لثقافة الجماهير العريضة، حفاظا على التنمية الشاملة للأمة وتماسك صفوفها، ومن أجل صناعة ثقافة اللحمة الوطنية القائمة على التّنوع والتّكامل والشّمول والعمق واحترام الـخصوصيات، والابتعاد عن كلِّ مظاهر الصراع الثقافي.. حيث يجب الاعتراف بالتّنوع الثّقافي للأمّة الـممتدّ في التّاريخ والـجغرافيا، الذي يشمل التراث العربي والأمازيغي ويشمل شمال البلاد وجنوبها، شرقها وغربها، وجميع الفئات الوطنية: الرجال والنساء، الإطارات والعمال البسطاء، المدن والأرياف، الشيوخ والأطفال.. ويجب وضع سياسة جامعة بين الأجيال والمدارس الفكرية واللغوية للجزائريين.. تركّز على وحدة الهوية وعلى تعميق الإحساس بالانتماء للوطن الواحد، بعيدا عن سياسة “فَرِّق تَسُد” التي اعتمدها المستعمر، للتّفريق بين الـمعرّب والـمفرنس، بين العرب والأمازيغ، بين الشّرق والغرب، بين الرّيف والمدينة، بين الـمتديّن وغير الـمتديّن، الـمحافظ والحداثي، اليساري واليميني، الإسلامي والعلماني، بين جيل الثورة وجيل الاستقلال ..بين المرء وزوجه!..كلُّ طرفٍ يرمي صاحبه بالعصبيّة والتطرّف، أو بالرّجعية والتخلف، أو بالعمالة والخيانة العظمى، أو حتى بالنّفاق والكفر في آخر المطاف!.. ولا تكون النّتيجة في الأخير إلا إنهاك قوى الأمّة، وشغلها بمعارك هامشية وخاطئة لا تجني من ورائها شيئا، وتغري أعداءها بالتحرّش بها أو استغلالها أو الاعتداء عليها، كما هو حادث في كثير من البلدان العربية والإسلامية اليوم.. إنّ علينا التّخلّي عن كلّ النّرجسيات والأبراج العاجيّة والحصون الفكريّة الوهمية … يجب أن يكون القاسم المشترك بين كلِّ الـمثقّفين، مهما كانت توجّهاتـهم ومشاربـهم الفكريّة، هو الوطن والوحدة والسيَّادة الوطنيّة والـرَّفاه الاجتماعي وقيم العمل والحرّية.. علينا أن نضبط مواقف الـمثقّفين بـمختلف توجّهاتـهم على هذا الإيقاع.. عندها فقط تزدهر أمّتُــنا، ونصبح غير مُنوَّمين بالتّاريخ ولا مؤَمَّلين بالأوهام.

نشر