» أعمدة » حينما تـَنْهزِمُ الفصحى أمام العامِّيَّة: ماذا يحدث؟

حينما تـَنْهزِمُ الفصحى أمام العامِّيَّة: ماذا يحدث؟

علي خفيف

26 مقال
منذ 4 شهور حجم الخط طباعة |

عندما كتبت الأسبوع الماضي حول واقع اللغة العربيّة في يومها العالمي، كتب لي أحد الأصدقاء قائلا: “ماذا عن استخدام العامّية في المحاضرات والدروس، وأثناء مناقشة الـمذكّرات والأطروحات الجامعية (عند بعضهم)؟!..”وكنت قبل ذلك قد شاهدتُ في قناة تلفزيونيّة مهمّة شريطا بمناسبة المولد النبوي، حول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بالعاميّة، وهي ظاهرة لم تكن موجودةً من قَبْل، فقد كان الخطاب الدّيني والتّدريس باللغة الفصحى.. والحقيقة أنّ الفصحى تدحرجت أمام العامّية كثيرا إلى درجة أن أصبح بعضهم يستخدم العاميّة في التدريس!.. وأصبحنا نسمع الأخبار وكثيرا من الحصص في القنوات الإعلاميّة باللهجات العاميّة، وبدعوى تبسيط الخطاب الديني أصبحنا نسمع دروسا في المساجد بالعاميّة..

في زمن مضى كانت الشّعوبُ العربيَّةُ أقَلَّ مستوى تعليميّا، ولـم تكن الفُصْحى عائقا أمام تعبئة الجماهير، فكان الزعماء مثل بومدين وجمال عبد الناصر وغيرهم يخطبون بالعربيّة، وكانت الشعوب أكثر تعلّقا بهم!.. وكان زعماء الإصلاح مثل الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ الإبراهيمي يلهبون مشاعر الشّعب بالفصحى!.. وكان الشعراء مثل محمد العيد آل خليفة ومفدي زكريّاء يتحفون الأمَّةَ بقصائد عصماء، حتّى خلَّدتْـهم الجماهير!.. وكان الأئمّة يخطبون بالفصحى، ويؤثّرون في المجتمع!.. وكانت الحصصُ ونشراتُ الأخبار بالفصحى، ويُدْمِنُ النّاسُ على سماع الرّاديو!.. وكانت أم كلثوم تغنّي بالفصحى ويتذوّق الملايينُ فنّها!..

واليوم بدأت العاميَّةُ تـَحُلُّ مَـحَلَّ الفُصْحى.. وسَـتـُؤَدّي إلى ما يلي:

أولا: سينهار مستوى الأمّة الفكري والحضاري، وينقطع تواصلُها مع التاريخ لأنها تفقد اللغة التي دُوِّن بها تراثٌ ضَخْمٌ، ونُقِلَتْ بـها الـمؤلَّفاتُ والثّقافةُ عبر قرون، واتّصَلَتْ عن طريقِها الأجيالُ.. وسيضمحِلُّ مستوى التفكير بالعاميّة، لأنّ عدد كلماتها أقل بمئات الـمرّات من الفصحى، ومن لا يجد الكلمات للتعبير عن أفكاره كمن لا أفكار له.. حين نَفْقِدُ لغةَ التّعليم والقراءة والكتابة والفنّ والفلسفة والعلوم..سنَعُودُ أمَّةً أُمِّيَّةً كما بدأنا .. وسنبدَأُ من الصفر !

ثانيّا: سَتـتـَفَرَّقُ الأُمَّةُ شِيَعاً: لأن استبدال الفصحى باللّهجات هو أقصر السُّبل للتفكُّكِ وبَعْثِ العصبيّات.. وتحْضُرني هنا نُكْتَةٌ مُعبِّـرَةٌ حكاها لنا معالي الأستاذ عز الدّين ميهوبي وزير الثّقافة، على هامش محاضرة حول الأمن اللغوي ومستقبل اللغة العربية ألقاها بجامعة عنّابة، لـمَّا كان رئيسا للمجلس الأعلى للّغة العربيّة، مفادها أنّ أحد المثقّفين الجزائريين المقيمين بإحدى الدول الأوروبيّة، استُدْعِيَ كَخَبـيـرٍ إلى الخارجيّة، ليُسْتَشَار في أمرِ شَخْصٍ عربـيٍّ طلب اللجوء إلى تلك الدّولة، مدّعيا أنه عبْقريٌّ ويُـتْـقِنُ اثنتين وعشرين لغةً!.. وطلبوا منه التأكّد من تلك العبقريّة اللغويّة الخارقة.. فلمّا سأله عن الحكاية، قال له: أنا عربيٌّ مثلُك فاسْتـُرْني ولا تفضحني، لقد قُلْتُ لهم بأنني أتقن اللغة الجزائرية والتونسية والليبيّة والمصرية وووو…حتى أتى على ذكر الدّول العربيّة كُلِّها!.. إنّ ما نـَخْشَاهُ أن تــتحوّل هذه النُّكْتةُ إلى حقيقةٍ إذا تَـمَادَيْنَا في إحلال اللّهجات الـمحلّيّةِ محلّ الفُصْحى، فيتحوّل العربُ إلى اثنين وعشرين شَعْباً لا يفهم أحدُهم لغة الآخر. أو تتحوّل كُلُّ دَوْلَةٍ إلى دُوَلٍ مُتَعَدّدَةٍ بتَعَدُّدِ لـهجاتها الـجهويّة!..

نشر