» أعمدة » في اليوم العالمي للّغة العربيّة: عطب في اللّغة أم في الإنسان

في اليوم العالمي للّغة العربيّة: عطب في اللّغة أم في الإنسان

علي خفيف

54 مقال
منذ 12 شهر حجم الخط طباعة |

اعتمدتْ الأمم المتحدة قرارا في 20/ 02 /2010 للاحتفال بالأيام الدّوْلية لِلُّغات الرسميّة السِّتّ بالأمم المتّحدة، وحدّدت 18 ديسمبر يوما عالميّا للّغة العربيّة، يَــتِمُّ إحياؤه كُلَّ سنة في اليونيسكو، لأنَّه يوافق اليوم الذي قرّرت فيه الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة اعتماد اللغة العربيّة لغةً رسميّةً لها، سنة 1973.
وللتّذكير فإنّ اللغة العربيّة هي لغة 22 دولة من الدول الأعضاء في اليونيسكو، يتحدّث بـها ما يزيد عن 422مليون عربي، ويستعملها أكثر من مليار ونصف من المسلمين، كما يقبل الملايين من غير الناطقين بها على تعلّمها لأسباب كثيرة، علميّة وسيّاسيّة ودينيّة واقتصاديّة وثقافيّة..إن الأرقام السّابقة تدلّ على أنّ اللغة العربيّة ليستْ مٌهَدَّدَةً بالانقراض مثلما يُسَوِّقُ له بعضُ المُغرِضين، أو يـُحذِّرُ منه كثيرٌ من المخلصين. لأنّ لها من الرصيد الواقعي والتاريخي ما يجعلها أقدر على المقاومة، وتحتاج إليها أطراف كثيرة في اللعبة الدّوليّة، فعلى سبيل المثال، حذّر مجلس العموم البريطاني في بداية 2015 بريطانيا من تراجع معرفتها بالعالم العربي، وفقدان دورها في الشّرق الأوسط، وأرجع ذلك إلى تراجع تعليم اللغة العربيّة في بريطانيا، وتراجع النشاط الاستشراقي البريطاني الذي كان شعاره ״المعرفة التي تنتج القوّة״!.. ما أفقد بريطانيا معرفتها بطبيعة العالم العربي بعد أن كانت أكثر العالم معرفة به، على حد تعبير مجلس العموم، وهو ما جعلها تفقد كثيرا من التأثير والمبادرة…
غير أنّه إذا كان لا خَوْفَ على العربيّة، فإنَّ الخَوْفَ على أهلها من التَّخَلُّفِ والإعاقَةِ الحضَاريَّةِ قَائِمٌ، حيث إنَّـنَا لا يمكن أن نـُحَقِّقَ التّـنميّةَ دون العنايةِ باللّغة العربيَّة. لقد أثبت علماء اللسانيات الأنثروبولوجيّة، أن شخصيَّةَ الفرد وتاريخَه ومشاعرَه تُختزل كلُّها في اللغة التي يستعملها، لأن اللغة هي وعاء الفكر، وهي التي تترجم مكوّناتِ العالَـمِ إلى الإنسان، فهي المعادِلُ الموضوعيُّ لـمُختلَف القِـيَم الحضَاريّة التي يتمثَّلُها الأفراد والمجتمع. لذلك فلا تنميَّةَ ولا مستوى علميّاً ناجعاً دون التمكّن من اللغة الوطنيّة، لأنّ الذي لا يستطيع التعبير عن أفكاره كمن لا أفكار له، وإذْ لا يـُمكننا أن نعبّر عن أيّ شيء خارج اللغة فلا حضارة ولا علم، ولا حياة دون لغة إلا حياة الصمّ البُكم.. ولعلّ المستوى الذي يدقّ ناقوس الخطر عند معظم شبابنا، يرجع أساسا إلى سياسة التخبّط اللغوي الذي يكتـَنِفُ منظومتَنا التّعليميّة، ففي الجامعة مثلا تُدَرَّسُ الشُّعَبُ العِلْميّةُ بالفرنسيّةِ، ولأنّ الطَّلبة لا يتقنونها حيث درسوا المراحلَ السّابقةَ بالعربيّة، تُشْرَحُ الأفكارُ لهم بالعامّيّة، ثم يكتبونها بالعربيّة، وحين يبحثون على المراجع يجدونـها بالانجليزية!..والخلاصة أنّ أكثرَهم ضَيَّعَ العربيّةَ ولم يُتْقِنْ لا الفرنسيّة ولا الإنكليزيّة!.. هذا التّذبذبُ اللُّغويّ انعكس سِلْباً على المستوى العلمي والنّفسي والفكريّ العام لكثيرٍ من شبابنا، وأصبح يُشَكِّل لَدَيْهِمْ عُقْدةَ نقْصٍ كبرى تُشْعِرُهُمْ بالعَجْز والإعاقة، وبعدم القدرة على التّعبير والمبادرة والمنافسة. حتى إنّه ليـُمْكِنُ لنا أنْ نُصَنِّفَ بَعْضَ (البُكْمِ) منهم في عداد ذوي الحاجات الخاصّة، ونُلْحِقَهُمْ بوزارة التَّضَامُن الوطني!..

نشر