» أعمدة » في ذكرى المولد النبوي الشريف: “المخيال التاريخي” و”لا وعي الواقع”

في ذكرى المولد النبوي الشريف: “المخيال التاريخي” و”لا وعي الواقع”

علي خفيف

38 مقال
منذ 7 شهور حجم الخط طباعة |

من التاريخ: تذكر كتب التاريخ والأدب أن أوّل من احتفل بالمولد النبويّ هم الأندلسيّون، بدافع “التعويض” عن شدّة الحنين والشّوق إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم والبقاع المقدّسة، لصعوبة زيارتها بسبب بعد الشُّـقَّةِ بين المغرب والمشرق. إضافة إلى أن بلادهم كانت في مواجهةٍ مع الحملات الصليبية، ما يجعلهم في حالة تعبئة دائمة يؤجّجونـها بدروس السيرة النبويّة، وبالاحتفالات التي بدأتْ بنظم الأشعار وإلقائها في الذكرى، حتى أصبحت لكثرتها تُشكّل غرضا شعريّا قائما بذاته يسمّى “الـمَوْلِـدِيَّاتْ”. وتطوّرت بعد ذلك إلى مُوَشَّحات عذبة وأزجال أقرب إلى العاميّة، تُرَدَّدُ جماعيّا في شكل مؤثّر…وما الموشّحات والأندلسيات والمدائح الشعبيّة التي مازالت تُغَــــنَّـى اليوم في كل بلاد المغرب العربي، إلا امتدادات فـَـنِّــيَّــة لتلك الاحتفاليات الجماهيرية التي انتقلت مع بقايا اللاجئين الأندلسيين الذين فروا من المحرقة إلى شمال إفريقيا.. وبعد الأندلس انتقلت مظاهر الاحتفال مع الفاطميين من المغرب العربي إلى مصر، وكانوا أول من أعطى الاحتفال طابعا مهرجانيّا واحتفاليّا مذهبيّا، بوصفهم عائلة النبي، لأنهم ينسبون أنفسهم إلى السُّلالة الشّريفة، ومع تراجع الفاطميين الذي عاصر اشتداد الحملات الصليبيّة على المشرق، شجّع صلاح الدين الأيوبي على الاحتفال بالمولد وبكل المواسم الدينيّة لأغراض دفاعيّة، كما يقول الدكتور عمر فرّوخ، ولمواجهة تجمّعات النّصارى في احتفالات رأس السّنة الميلاديّة، وكانت غايتُه أن يُكَوِّن من المسلمين جماعاتٍ متأهِّبةً ومتحفّزةً روحيّا، لئلّا يهاجم الإفرنجُ بلدةً مسلمة في غفلة منهم. وهكذا انتقل الاحتفال بالمولد من مصر إلى الشّام وفلسطين وما جاورهما. تلكم هي بعض السّياقات التّاريخية لبداية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وامتداداته الجغرافيّة ودوافعه التعبويّة والجهاديّة.

في الواقع: ماذا بقي من دوافع الذكرى وأبعادها؟ عندنا في الجزائر كان الاحتفال بالمولد زمن الاستعمار الغاشم محطَّةً للتَّعبئة ولإثبات الذّات الحضاريّة، أمّا اليوم فلم يعد أكثر من مناسبةٍ للصّخب والاستهلاك!.. إذ يبدأ الأطفال التحضير للاحتفال بأسابيع، ويشترون أنواعا كثيرة من الـمتفجّرات التي يرتفع ثَـمنُها بقدر ما تكون خطورتُـها عاليةً، تُسْتَورَدُ بـعشرات الملايير في كلّ سنة، وتُسَوَّقُ رغم خطابات المنع والتحذير، ويُطلِقُ عليها باعتُها تسميّاتٍ، يردّدها الأطفال في نشْوةٍ وتَـبَاهٍ، مثل: “الكومندوس” و”داعش” و”الصاعقة” و”شيطانة”و”…”. أقلّ دلالاتها الخطيرة أنها تُـمَجِّدُ العنفَ وتقوم بالدّعاية له، وتَـحْقِنُ “جُرْعاتٍ ناعمةً” منه في “الـمِخْيَال الجمعي” لأطفالنا.. تُـخَــــزَّنُ في “اللاوعي” ليَــنْـعكس مفعولُــها بعد سنواتٍ على أفكارهم وسلوكهم حين يصبحون في سنّ المراهقة!.. كما تُسَجِّل مصالح الصحّة في كلّ سنة حوادث خطيرة، فمن الأطفال من يَفْقِدُ بصرَه، ومنهم من يصاب بحروق بالغة، ومنهم من تصَدَّعَتْ طَبْلةُ أُذُنَـيْه من قوّة انفجار الألعاب النّاريّة!.. إضافةً إلى ما تـُحْدِثُه من ترويعٍ للناس، وإرهاقٍ للمرضى وكبار السن، وإزعاجٍ للعائلات، وتعطيلٍ للمرور… وهنا يأتي السّؤال: ألا يمكن للطّفل الذي أحرق وجوهَ أقرانه بالـمُفرقَعات صغيرا، أن يَعْلِقَ بسلوكه حين يكبر شوائِبُ، قَلَّتْ أو كَـــثُــرَتْ، من العدوانيّة والاستهتار بالآخر والقسوة والعنف.. ؟

لقد أصبحت طريقة الاحتفال عندنا لا تتماشى في كثير من جوانبها مع روح الذِّكرى، التي كان لها دورٌ روحيّ وتعبويّ عبر التَّاريخ، وأصبحتْ تُعَلِّمُ أبناءَنا العنف، وتُـهدِرُ كثيرا من الأموال في وقت لا يجد فيه بعضُهم ثـمَنَ كَيْسٍ من الحليب!.. أَلَـمْ يــبقَ من ذكرى حبيبنا عليه الصّلاة والسّلام سوى ما يدعو إلى التّـبذير والعنف؟!..وهل نَلُومُ الغربيين بعد ذلك حين يربطون بين الإسلام ومظاهر التخلّف والعنف؟

• أ.د.علي خفيف

نشر