» أعمدة » بناء الإنسان

بناء الإنسان

ساعد ساعد

57 مقال
منذ 9 شهور حجم الخط طباعة |

همسات د/ ساعد ساعد

حين تقرأ التاريخ ومنعرجات الأحداث، لا تؤثر فيك نكسات الحضارة ولا هوس الحداثة ولا احاديث استشراف المستقبل المرتبطة في العادة (بأجندة) وإن كانت خفية بخلفيات فكرية ذات طابع سياسي وبغلاف اقتصادي وأهداف اجتماعية انسانية متنوعة.

والتاريخ مدرسة وعلم قائم بذاته، لا يتوقف عند دراسة الماضي فقط كما يعتقد البعض، بل جوهره دراسة الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، او هكذا يستوجب علينا غربلة الاحداث وتسارعها في الراهن سواء كانت معنا او ضدنا، وإن كان عهدنا اليوم الزخم الكبير والتدفق اللامتناهي للمعلومات والاخبار على مدار الساعة وبأكثر من وسيلة، حيث وجب التمحيص والتحري والتقصي وغربلة (القصف الاعلامي) اليومي الذي يتعرض له الفرد، بل الأسر والمجتمعات، وهذه مسؤولية النخبة وقادة الرأي المحلي والوطني وأهل الثقة، لأن المطلوب لتجاوز تحديات اليوم ليس تشييد البنايات وشق الطرق، وإن كانت على اهميتها، بل بناء الانسان، وحيثما وضعت اللبنات على المسار الصحيح تحقق الوعي والنظرة الصحيحة والاعتدال في فهم انكسارات الحاضر، وقد صدق ابن خلدون حين كتب في مقدمته الجملة التالية، حيث قال “ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إن كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر اعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه. وإن خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت بما يوافقها من الأخبار لأول وهلة” كأن ابن خلدون من خلال هذه الاسطر يتحدث عن هذا الزمن المتسارع، رغم انه عاش في بيئة بعيدة كل البعد عن حالنا اليوم، بل تذكر الكثير من المصادر انه كتب مقدمته في مغارة لا زالت الى اليوم في منطقة تيارت (تيهارت) بالجنوب الغربي للجزائر. فما أحوجنا اليوم الى مغارة تمثل جدار صد للكم الهائل من المعلومات والاخبار، خاصة المغلوطة والكاذبة على الخصوص.

نشر