من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه

أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم

 

عطفا على ما نشرته جريدة الحواريوم أمس في حوارها مع أحد أكبر تلامذة العلامة محمد ناصر الدين الألباني، وما أثاره من تباين في ردود الفعل، وسعيا من الحوارلإثراء الموضوع أكثر، تقوم بإعادة نشر أجوبة الألباني عن أسئلة الفيسالتي سبق وأن أرسلها يومها الألباني نفسه للجبهة الاسلامية المحلة عبر الفاكس، وقامت مجلة الأصالةالتي يشرف عليها طلاب الألباني بنشرها في العدد الرابع 15 شوال 1412هـ، أرسلها الشيخ الحلبي لـ الحوار“، والجدير بالذكر أن جريدة الحواروسيلة إعلامية حيادية تهتم بنقل لمعلومة للرأي العام كما هي.

  • نص أسئلة جبهة الإنقاذ:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فيا شيخنا الفاضل المكرم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فإننا نبلغكم التحية والسلام المفعمين بالحب والإخاء وغرر الثناء على مُحياكم المنور, ولمكارم لُطفكم.

لا يخفى على تلك الفطنة والقريحة الغالية أن تقدم الأمة الى ذروة التمكين, ورسوخ أقدامها في منهل التمدن, لا يتسنى إلا بعلمائها ودعاته الربانين, وكذا تمسكها بنباريس شروحهم وبيانهم الى المشروع الإسلامي عامة.

 

والأسئلة هي ما يأتي:

  • السؤال الأول: ما حكم الشرع في الانتخابات التشريعية (ما يسمى بالبرلمان) التي تسعى من خلالها الى إقامة الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة الراشدة؟
  • السؤال الثاني: ما الحكم الشرعي في النصرة والتأييد المتعلقَين بالمسألة المشار إليها سابقا (الانتخابات التشريعية)؟
  • السؤال الثالث: حكم خروج النساء للانتخابات التشريعية؟
  • السؤال الرابع: الأحكام الشرعية المتعلقة بأنماط العمل الشرعي في (البرلمان) ورجالاته؟
  • السؤال الخامس: تأييدكم مُدبَّجا لهذا الأمر؟
  • السؤال السادس: نصائح وإرشادات شرعية لهذه المهام الجسام.

وتقبَّلوا في الأخير –شيخنا الفاضل المكرم- تحيات الأمة الجزائرية المسلمة، وتَوقَنا لِلُقياكم والمحبة المفعمة بالإخاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة: لِعلمكم أنَّ الانتخابات التشريعية تكون بعد غدٍ الخميس 19 جمادى الثاني 1412هـ

 

وكان جــــــــوابُ الشيخ الألباني حفظه الله– (رحمه الله) ما يأي:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد؛ فإلى لجنة الدعوة والإرشاد في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

وبعد؛ فقد تلقيت أَصِيلَ هذا اليوم الثلاثاء الموافق للثامن عشر من شهر جمادى الآخرة سنة (1412هـ) رسالتكم المرسلة إليّ بواسطة (الفاكس) فقرأتها وعلمتُ ما فيها من الأسئلة المتعلقة بالانتخابات التي قلتم إنها ستجري عندكم يوم الخميس أي بعد غد (1)، ورغبتم مني التعجيل بإرسال أجوبتي عليها، فبادرت إلى كتابتها ليلة الأربعاء لإرسالها إليكم بـ (الفاكس) أيضاً صباح هذا اليوم ـ إن شاء الله ـ شاكراً لكم حسن ظنكم بأخيكم وطيب ثنائكم عليه الذي لا يستحقه، سائلا المولى سبحانه وتعالى لكم التوفيق في دعوتكم وإرشادكم.

وإليكم الآن ما يَسَّر الله لي من الإجابة عن أسئلتكم، راجيا من المولى سبحانه وتعالى أن يلهمني السداد والصواب في ذلك:

  • السؤال الأول: ما الحكم الشرعي في الانتخابات التشريعية (ما يسمى بالبرلمان) التي نسعى من خلالها إلى إقامة الدولة الإسلامية، وإقامة الخلافة الراشدة؟

الجواب: إنّ أسعد ما يكون المسلمون في بلادهم يوم ترفع راية (لا إله إلا الله) وأن يكون الحكم فيها بما أنزل الله، وإن مما لا شك فيه أن على المسلمين جميعا ـ كل حسب استطاعته ـ أن يسعوا إلى إقامة الدولة المسلمة التي تحكم بكتاب الله وسنة رسول الله وعلى منهج السلف الصالح، ومن المقطوع به عند كل باحث مسلم أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأول ذلك أن يقوم جماعة من العلماء بأمرين هامين جدا:

الأول: تقديم العلم النافع إلى من حولهم من المسلمين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يقوموا بتصفية العلم الذي توارثوه مما دخل فيه من الشركيات والوثنيات حتى صار أكثرهم لا يعرفون معنى قولهم: (لا إله إلا الله)، وأن هذه الكلمة الطيبة تستلزم توحيد الله في عبادته تعالى وحده لا شريك له، فلا يستغاث إلا به، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن لا يعبدوه تعالى إلا بما شرع الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من مستلزمات قولهم: (محمد رسول الله)، وهذا يقتضيهم أن يُصَفُّوا كتب الفقه مما فيها من الآراء والاجتهادات المخالفة للسنة الصحيحة حتى تكون عبادتهم مقبولة، وذلك يستلزم تصفية السنة مما دخل فيها على مر الأيام من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، كما يستلزم ذلك تصفية السلوك من الانحرافات الموجودة في الطرق الصوفية، والغلو في العبادة والزهد، إلى غير ذلك من الأمور التي تنافي العلم النافع.

والآخر: أن يُرَبُّوا أنفسهم وذويهم ومن حولهم من المسلمين على هذا العلم النافع، ويومئذ يكون علمهم نافعاً وعملهم صالحاً؛ كما قال تعالى: {فمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}، وحينئذٍ إذا قامت جماعة من المسلمين على هذه التصفية والتربية الشرعية فسوف لا تجد فيهم من يختلط عليه الوسيلة الشركية بالوسيلة الشرعية؛ لأنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء بشريعة كاملة بمقاصدها ووسائلها، ومن مقاصدها مثلا النهي عن التشبه بالكفار وتبني وسائلهم ونظمهم التي تتناسب مع تقاليدهم وعاداتهم، ومنها اختيار الحكام والنواب بطريقة الانتخابات، فإن هذه الوسيلة تتناسب مع كفرهم وجهلهم الذي لا يفرق بين الإيمان والكفر ولا بين الصالح والطالح ولا بين الذكر والأنثى؛ وربنا يقول: {أَفَنَجْعلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمون}  ويقول: {ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}. وكذلك يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بدأ بإقامة الدولة المسلمة بالدعوة إلى التوحيد والتحذير من عبادة الطواغيت وتربية من يستجيب لدعوته على الأحكام الشرعية حتى صاروا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى كما جاء في الحديث الصحيح، ولم يكن فيهم من يُصِرُّ على ارتكاب الموبقات والربا والزنا والسرقات إلا ما ندر. فمن كان يريد أن يقيم الدولة المسلمة حقا لا يُكتِّل الناس ولا يجمعهم على ما بينهم من خلاف فكري وتربوي كما هو شأن الأحزاب الإسلامية المعروفة اليوم، بل لا بد من توحيد أفكارهم ومفاهيمهم على الأصول الإسلامية الصحيحة: الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح كما تقدم، {ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُون بِنَصْرِ الله}، فمن أعرض عن هذا المنهج في إقامة الدولة المسلمة وسلك سبيل الكفار في إقامة دولتهم فإنما هو (كالمستجير بالرمضاء من النار)! وحسبه خطأ ـ إن لم أقل: إثماً ـ أنه خالف هديه صلى الله عليه وسلم ولم يتخذه أسوة والله عزّ وجل يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهَ كَثِيرا}.

  • السؤال الثاني: ما الحكم الشرعي في النصرة والتأييد المتعلقين بالمسألة المشار إليها سابقاً؟

(الانتخابات التشريعية)؟

الجواب: في الوقت الذي لا ننصح أحدا من إخواننا المسلمين أن يرشِّح نفسه ليكون نائبا في برلمان لا يحكم بما أنزل الله، وإن كان قد نص في دستوره (دين الدولة الإسلام) فإن هذا النص قد ثبت عمليا أنه وضع لتخدير أعضاء النواب الطيِّبي القلوب!! ذلك لأنه لا يستطيع أن يغيِّر شيئاً من مواد الدستور المخالفة للإسلام، كما ثبت عمليا في بعض البلاد التي في دستورها النص المذكور. هذا إن لم يتورط مع الزمن أن يُقر بعض الأحكام المخالفة للإسلام بدعوى أن الوقت لم يحن بعدُ لتغييرها كما رأينا في بعض البلاد؛ يُغَيرِّ النائب زيّه الإسلامي، ويتزيّا بالزي الغربي مسايرة منه لسائر النواب! فدخل البرلمان ليُصْلِح غيره فأفسد نفسه، وأوَّل الغيث قطرٌ ثم ينهمر! لذلك فنحن لا ننصح أحدا أن يرشح نفسه؛ ولكن لا أرى ما يمنع الشعب المسلم إذا كان في المرشَّحين من يعادي الإسلام وفيهم مرشَّحون إسلاميون من أحزاب مختلفة المناهج، فننصح ـ والحالة هذه ـ كل مسلم أن ينتخب من الإسلاميين فقط ومن هو أقرب إلى المنهج العلمي الصحيح الذي تقدم بيانه. أقول هذا ـ وإن كنت أعتقد أن هذا الترشيح والانتخاب لا يحقق الهدف المنشود، كما تقدم بيانه ـ من باب تقليل الشر، أو من باب دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى كما يقول الفقهاء.

  • السؤال الثالث: حكم خروج النساء للانتخابات؟

الجواب: يجوز لهن الخروج بالشرط المعروف في حقهن وهو أن يتجلببن الجلباب الشرعي، وأن لا يختلطن بالرجال، هذا أولا. ثمَّ أن ينتخبن من هو الأقرب إلى المنهج العلمي الصحيح من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى كما تقدم.

  • السؤال الرابع: الأحكام الشرعية المتعلقة بأنماط العمل الشرعي في (البرلمان) ورجالاته؟

الجواب: فنقول: هذا سؤال غامض مرادكم منه غير ظاهر لنا، ذلك لأن المفروض أن النائب المسلم لا بد أن يكون عالما بالأحكام الشرعية على اختلاف أشكالها وأنواعها، فإذا ما طرح أمر ما على بساطِ البحث فلا بد أن يوزن بميزان الشرع، فما وافق الشرع أيده وإلا رفضه؛ كالثقة بالحكومة، والقَسَم على تأييد الدستور ونحو ذلك!! وأما رجالات البرلمان! فلعلكم تعنون: ما موقف النواب الإسلاميين من رجالات البرلمان الآخرين؟ فإن كان ذلك مرادكم فلا شك أنه يجب على المسلمين نوابا وناخبين أن يكونوا مع من كان منهم على الحق كما قال رب العالمين: {وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.

  • وأما السؤالان الخامس والسادس: فجوابهما يُفهم مما تقدم من الأجوبة. ونضيف إلى ذلك أن لا يكون همُّكم ـ معشر الجبهة الإسلامية! ـ الوصول إلى الحكم قبل أن يصبح الشعب مهيَّئًا لقبول الحكم بالإسلام، ولا يكون ذلك إلا بفتح المعاهد والمدارس التي يتعلم فيها الشعب أحكام دينه على الوجه الصحيح ويربَّى على العمل بها ولا يكون فيهم اختلاف جذري ينشأ منه التحزب والتفرق كما هو الواقع الآن مع الأسف في الأفغان، ولذلك قال ربنا في القرآن : {ولاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا إخوانا كما أمركم الله)) رواه مسلم.

فعليكم إذن بالتصفية والتربية، بالتأني؛ فإن التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك قيل: من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، ومن رأى العبرة بغيره فليعتبر، فقد جرب بعض الإسلاميين من قبلكم في غير ما بلد إسلامي الدخول في البرلمان بقصد إقامة دولة الإسلام، فلم يرجعوا من ذلك إلا بخفي حنين! ذلك لأنهم لم يعملوا بالحكمة القائلة : “أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم “، وهكذا كما قال صلى الله عليه وسلم ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) رواه مسلم.

فالله سبحانه وتعالى أسأل أن يلهمنا رشدنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، ويهدينا للعمل بشرعةِ ربنا، متبعين في ذلك سنة نبينا ومنهج سلفنا، فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع، وأن يفرج عنا ما أهمَّنا وأغمَّنا وأن ينصرنا على من عادانا، إنه سميع مجيب.

عمان صباح الأربعاء 19 جمادى الآخرة سنة 1412هـ.

وكتب محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن

• أعدها: عماد بن عبد السلام