بقلم/ عماد بن عبد السلام

وفىَّ المجاهد الدكتور، أحمد بن نعمان، ما وعد به من إخراج كتاب عن المفكر الجزائري الكبير، صديقه الوزير الأسبق والمجاهد، مولود قاسم، الذي عمل عليه لقرابة السنتين، وسماه بـ ((مولود قاسم نايت بلقاسم حياته وآثاره، شهادات ومواقف)). صدر الكتاب عن دار النعمان للطباعة والنشر، وشاركت به في المعرض الدولي للكتاب في طبعته 21 لهذه السنة 2016م/ 1438هـ.

جاء الكتاب في 520 صفحة، قسّمه المؤلف إلى خمسة أقسام، وهي:

القسم الأول: خصصه لحياته اعتمادا على المنشور والمخطوط وشهادات على رأسها والدته، والقسم الثاني لعيّنة من آثاره ابتداءً بأول مقال لمولود قاسم يوم كان شابا في السنة الأولى متوسط من سنة 1947م، بعنوان (نتيجة الصبر والكفاح)، أما القسم الثالث فقد كان عبارة عن مجموعة من شهادات (24 شهادة) لبعض الأقلام عن شخص السي مولود، رحمه الله، القسم الرابع تكملة للقسم الثالث، وهو شهادات ومداخلات وأوراق شاركت بالملتقى الوطني سنة 2005م/1426هـ حول شخصية مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله، وهي ثلاث وعشرون (23) مداخلة، وختم المؤلف كتابه بـالقسم الخامس الذي أدرج فيه عشر محاضرات تنوعت في طرح فكر الأستاذ مولود رحمه الله، ثم ذيّل الكتاب -كما هو معتاد- بفهرس للأعلام وفهرس للمحتويات.

ولا يفوتني أن أنبّه إلى شيء جميل وجدير بالذكر في زمن التعالم والسرقة العلمية التي أصبحت فنًّا، وهي أن المؤلف –وفقه الله- عمل بعمل السلف -رحمهم الله -في نسبة الفضل إلى أهله والعزو إليهم وإسداء الشكر لهم، فقد ذكر ابن الجوزي من فضائل الوزير بن هبيرة أنه: ((كان إذا استفاد شيئا قال: أفادنيه فلان))، طبقات الحنابلة 1/255، فيقول المؤلف في ص05: ((وأقر –بالمناسبة- أن وضع اسمي المتواضع في الغلاف ليس إلا من باب تحمل المسؤولية على تبني المبادرة وترتيب الفصول والأبواب، وتصحيح المادة والإشراف على إخراج الكتاب ودفع الحساب، وليس من باب الاستثناء بالتشريف، أو إدّعاء “فضل” التأليف، لأن هذا التقليد الجديد هو العمل الجماعي، قام به الكثير ممن ذكر وممن لم يذكر من الكتّاب والمؤلفين والمبدعين…))، وهذا العمل التشاركي الجماعي قد شبهه المؤلف أواصطلح عليه اصطلاحا جديدا، أطلق عليه اسم ((التويزة الثقافية))، أنظر الصفحة .07

تعقيبات النعمان على الجوهري

أدرج المؤلف في القسم الخامس من الكتاب محاضرة للأستاذ بوعلام جوهري (جامعة بجاية)، بعنوان: ((البعد القومي الأمازيغي في فكر مولود قاسم نايت بلقاسم))، وقد بيّن المؤلف سبب تعمد إدراجها من خمسة وجوه:

1/ حتى يكشف هدف المحاضر؛

2/ يبين المغالطات؛

3/ يفضح التأويلات؛

4/ ذكر نقاط الاتفاق والاختلاف والتحذير من التحريف المغرض للماضي؛

5/ تبني ما ذهب إليه شيخ المؤرخين الجزائريين، أبي القاسم سعد الله، في كون السي مولود، قد تغير رأيه كثيرا في آخر حياته، وخاصة لما عمل بالمجلس الأعلى للغة العربية.

وهذا عيب ولا يعد قدحا في شخصية الأستاذ مولود قاسم بل هي منقبة تضاف إلى مناقبه لأن الحق ضالة طالبها، وقد سبق الأستاذ مولود قاسم كثيرا من أهل العلم في هذا عبر التاريخ الإسلامي، فمنهم على سبيل المثال لا الحصر: الشوكاني كان زيديا (طائفة شيعية) ثم رجع إلى قول أهل السنة والجماعة، أبو الحسن الأشعري من تأويل الصفات إلى القول بقول أهل الحديث كما في كتابه “الإبانة”، وابن القيم يذكر أنه كان صوفيا إلى أن التقى بشيخ الإسلام ابن تيمية فرجع عن التصوف، وكذلك الشيخ تقي الدين الهلالي، رجع من التصوف… وغيرهم كثير.

وعليه، فإن صح ما ذهب إليه الدكتور سعد الله، فليس من المنطق ولا من البحث العلمي ولا من البحث التاريخي ولا الأكاديمي أن ينسب شخص إلى ماض تاب منه وتراجع عنه، لأن العبرة بما اعتقده آخر أيامه ناسخا لما قبله أو مقرّ به مقررا له، فالأعمال دوما بخواتيمها.

تعقب الدكتور أحمد بن نعمان، الأستاذ الجوهري، في مقاله الآنف الذكر، لمحاولته إلصاق النزعة والقومية البربرية بالأستاذ مولود قاسم –رحمه الله- ليأسس لها أكثر ويكون لدعوته صدى وقبولا أكبر، ورغم أن المحاضرة لا تربو عن أربعين (40) صفحة، إلا أن النعمان تعقبه في ستة وعشرون (26) نقطة، أتى –فيما أحسبه- على الأدلة بخيلها ورجلها وأتى على بنيان شبهه من القواعد.

أوجز أهمها فيما يلي:

أولا ذكر المؤلف أنه يعرف مولود قاسم –رحمه الله- لمدة عشرة سنوات، فعرفه على غير ما يقوله الجوهري من نسبته إلى أصحاب النزعة البربرية، وهذه تعتبر شهادة حيّة لمعاصره.

وفي ردّه على زعم الجوهري أننا ننتسب للإسلام لا للعروبة لأن لساننا الأصلي أمازيغي، مبين له أن من ((ترك وثنية كسيلة، ويهودية الكاهنة، وتثليث أوغسطين… إلى وحدانية الإسلام المبين))، هم من استعربوا عن رضى وطواعية وإيمان لا خيانة ونكران للذات، ويقول مستغربا: ((وهنا نقول لهم بأي منطق آدمي تقنع أي إنسان مؤمن بأنك تخليّت عن كفر وضلال أجدادك عن قناعة وحب للإسلام! وترفض، بل تحارب في الوقت ذاته تبني لغة القرآن وفقه هذا الإسلام))، ويزيد بقوله: ((إن كل الحجج المقدمة لتبني الإسلام بدل الكفر، تصلح لتكون حججا لتبني اللغة العربية العدنانية بدل الفرنسية و”الهجنة” البربرية)).

وينبّه الدكتور أحمد بن نعمان، على عدم الخلط في قضية مهمة، وهي: النسب الشرعي والنسب الجهوي، إذ يقول: ((يجب الملاحظة هنا أن الذي خفي أو عمي على هؤلاء المعترضين، عن جهل أو عن خبث دفين، في هذه المسألة السلالية والعنصرية الجهوية والعرقية، هو الخلط المتعمد بين واجب التسلسل النسبي الشرعي (الفردي والأسري) حفاظا على ونظافة الأنساب، التي حرم الله من أجلها الزنا واعتبره من الفواحش العظمى كما هو ثابت شرعا، والنسب الجهوي أو الإقليمي أو الفئوي، فهنا الخلط الانفصالي والحَركي الاحتلالي والاستحلالي الخائن والقاتل!)).

وفي إيراد الجوهري لشبهة أن مصر تعتز بفرعونيتها، واعتزاز اليمن بحمير، ردّ عليه النعمان بكل بساطة وجدِّية فقال: ((لكن ليست الفرعونية اللغة الرسمية لتسمية الجمهورية المصرية الحالية، وليست القبطية التي كانت في العصر الجاهلي المصري (أي النوميدي الجزائري) ))، ((واليمن تعتز بحمير، ولكن لغتها ليست الحميرية، (ولا حروف المسند)، فكن مثلهم في الاعتزاز باللغة العربية))، كما ينبّه المؤلف الجوهري بأنه: ((لا توجد عروبة عرقية، نحن ضدها، فهل هو مع العروبة الثقافية اللسانية (الباديسية) ))، التي هي: ((السيدة في كل هذه البلاد بالتبني، والانتماء والانتساب على رأي إمام الأمة ابن باديس، الذي لا يزايد أحد على وطنيته، وعلمه، وصنهاجيته!!))، ثم يصيب المؤلف أصحاب النزعة البربرية في مقتل ويضرب لهم مثلا بفرنسا أمهم فيقول: ((فرنسا الديجولية ذاتها، التي لا تبدأ تاريخها من الفتح الروماني، ولكنها تشمل فيه تاريخ ما قبل ذلك، ولكن لغتها الحالية (الوطنية والرسمية) هي الفرنسية (الرومانية) (كما يقول ديجول) وليست (الجولوا) التي مازال يتحدث بها الفرنسيون الأميون في بعض الجبال، والأرياف النائية، دون أن تبعثها، حية تسعى لتحريرها من “الاحتلال الروماني”))، منبها إلى خطر التثليث (إسلامية، عربية، أمازيغية)، وأن الوحدة الوطنية تكون بوحدة اللغة العربية، وأن محاولة مساواة الأمازيغية بالعربية يُعد تمزيقا للحمة وإضعافا للقوة، ويبين أن بيان أول نوفمبر هو الفيصل بينهم، بيان أول نوفمبر الذي أجمعت عليه الأمة وتلقته بالقبول، كما يعتبر بيان الفاتح من نوفمبر تجديدا للعهد في أن الأمة الجزائرية أمة عربية إسلامية منذ قرون بعد أن أرادت فرنسا المستدمرة طمسها لأكثر من قرن وربعه، وأنَّى لها ذلك… فما زاد الشعب الجزائري إلا تمسكا بلغته العربية وبدينه الإسلام.

وفي الأخير أتمنى على دار النعمان للطباعة والنشر -أو غيرها من الدور- أن تقوم على عمل علمي، وهو جمع آثار الأستاذ مولود قاسم، رحمه الله، كما هو الشأن الآن لأثار ابن باديس والابراهيمي وأبي يعلى الزواوي ومبارك الميلي وغيرهم.. حتى تكون في متناول الجميع ومرجعا للكتاب والباحثين.