يبدو ان قرار تخفيض حصص الدول الأعضاء بمنظمة الأوبك لإنتاجها لتحقيق استقرار بالسوق الذي خرج به اجتماع أعضاء الدول المنتجة والمصدرة للنفط الأوبكبالجزائر منذ يومين، بقدر ما استحسنه العديد من الخبراء الاقتصاديين الجزائريين وكذا الدوليين، لا يزال الشكوك حوله لدى خبراء آخرين كونه جاء مبهما ولم يعط تفاصيل أكثر للكيفية التي سيتم على أساسها خفض الإنتاج.

 

  • نتائج الاجتماع مبهمة وقد تتحول إلى عقبات في اجتماع فيينا

 

وعلى الرغم من إشادة الكثير من متابعي الشأن الاقتصادي بالتوصل الى اتفاق على تخفيض الإنتاج من النفط إلى مستوى يتراوح بين 5ر 32 مليون برميل يوميا إلى 33 مليون برميل يوميا، ووصفه بالتاريخي، الا ان البعض الاخر طالب بتوضيح بعض الجوانب الغامضة في هذا القرار الذي جاء مبهما حسبهم، حيث عبر الخبير الاقتصادي سليمان ناصر في حديث مع “الحوار” امس، عن مخاوفه من ان تتحول النقاط المبهمة في القرار الى عقبات او قنابل موقوتة قد تعصف به، وعلى رأسها بند مراعاة حالة البلدان الثلاثة المتمثلة في ايران، نيجيريا، وليبيا التي تطرح اشكالية هل ستتقيد ايران بالحصة الإجمالية ام لا؟، كما عرج على هامش المناورة التي قد يتلاعب بها بعض المنتجين المتمثل في 700 ألف برميل الذي اعتبره رقما كبيرا جدا، ليشير الى عدم تحديد الكمية الحقيقية للفائض في السوق التي قد لا تغطيها الكمية المخفضة، مستدلا الخبير بعدم ارتفاع اسعار النفط عقب اجتماع الجزائر بصفة كبيرة، نظرا للشكوك التي راودت الكثيرين حول مدى تطبيق القرار المنبثق عن الاجتماع على ارض الواقع.

 

وتعليقا على تصريح مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الطاقة آموس هوكستاين، الذي قال إنه لا يعتقد أن اتفاق (أوبك) سيرفع أسعار الخام العالمية لفترة طويلة بسبب طفرة أنشطة الحفر الأمريكية وتحسن كفاءة الطاقة على مستوى العالم بما يعني أن أسواق الطاقة لن تتأثر بخفض الإنتاج، وتصريح وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك امس الذي قال فيه “إن موسكو ومنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) تجريان حوارا نشطا لمناقشة تثبيت إنتاج النفط”، اوضح ناصر سليمان بأن موقف امريكا وروسيا لا يزال غير واضح بخصوص تخفيض الانتاج رغم ابداء روسيا لموقف ايجابي، الا انه عاد ليؤكد على ان الولايات المتحدة الامريكية لا تستطيع ان تكون طرفا معيقا لقرار التخفيض في الانتاج كونها من المستفيدين الاكبر منه، بحكم ان انتاج النفط الصخري المرتفع الكلفة متوقف على زيادة مداخيلها من الريع النفطي، لافتا الى ضرورة ان يكون للفاعلين الاساسيين في سوق النفط دور فعال لتحقيق الاستقرار.

 

وهو ما ذهب اليه محللون دوليون ايضا، حيث شككوا في التزام دول أوبك بتنفيذ الحصص المقترحة إذا اعتمدت، وهو ما يخلق حالة من عدم اليقين في السوق -حسبهم-، وعليه ابقوا على توقعاتهم بخصوص سعر النفط لنهاية العام الحالي وفي 2017 حيث ينتظر أن يبلغ الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط 43 دولارا للبرميل بنهاية العام و53 دولارا في 2017، كما حذروا من أن هذا الاتفاق قد أهمل تفاصيل حاسمة حول الإنتاج اليومي المحدد لكل دولة.

وفي نفس السياق، قال الخبير الاقتصادي العراقي وضاح ألطه في تصريح لوكالة الأناضول “بالأمس تم الاتفاق على خفض الإنتاج، لكن هل سيتفق الأعضاء في اجتماع نوفمبر على تحديد حصص كل دولة عضو؟”، مضيفا “رغم استثنائية القرار القاضي بخفض الإنتاج، وهي المرة الأولى منذ 2008، إلا أن ما حصل هو إدارة للأزمة وليس حلاً لها”، مشيرا الى أن الأسعار التي ارتفعت أمس وبلغت 49.7 دولارًا، وتراجعت اليوم إلى حدود 48.6 دولارًا، لا تعكس الوضع الحالي المتخم بالفوائض النفطية حول العالم، “الأسعار ناتجة عن ارتياح نفسي للمتعاملين ليس أكثر”، متابعا “لن يرضى أعضاء أوبك برغبة إيران النفطية.. أعتقد أن الأسعار ستعاود الهبوط لمستويات دون 45 دولاراً مع الاجتماع المقبل، لأنه سيشهد رفضاً سعودياً على وجه الخصوص لطلب إيران رفع إنتاجها”.

 

فيما اضاف محللون في جولدمان ساكس بعد الاجتماع “إننا على المدى الطويل متشككون في تطبيق الحصص المقترحة إذا اعتمدت”.

 

من جهته، توقع المدير التنفيذي لإدارة الأصول في شركة مال كابيتال طارق قاقيش، أن تنتعش أسواق الأسهم خلال الأيام المقبلة حتى الأسبوع القادم، بسبب نتائج الاتفاق لكن لن يكون انتعاش السوق كبيراً كما يتوقع المتعاملون، بسبب عدم وضوح الاتفاق، ومدى تجاوب الأعضاء مع تفاصيله، مضيفا “اتفاق أمس أبقى الباب مفتوحاً أمام احتمالات الاتفاق النهائي أو العودة لمربع فوضى الإنتاج، وهذا لن يكون في صالح أسواق الأسهم التي نتوقع أن تشهد تذبذبات كبيرة حتى اجتماع نوفمبر”.

 

  • اجتماع الجزائر تاريخي وواثقون من التزام الأعضاء به

 

في المقابل، اعتبر الخبير الاقتصادي كمال رزيق في حديث مع “الحوار”، أن هذه القرارات المنبثقة على اجتماع الاوبك بالجزائر كانت جد جريئة وعليه يجب تثمين جهود الدبلوماسية الجزائرية، كونها نجحت في اعادة منظمة الاوبك لدورها الحقيقي والدليل على ذلك تأثر الاسعار بشكل ايجابي مباشرة بعد اعلان النتائج وارتفاع اسهم الشركات النفطية في البورصات العالمية، مبررا عدم صمود الاسعار بعدما ارتفعت بـ 6 بالمائة عقب الاجتماع، بكون القرار المطبق حاليا هو تثبيت الانتاج عند مستويات شهر جانفي الماضي، متوقعا ان ترتفع تدريجيا بعد اجتماع فيينا اواخر شهر نوفمبر القادم وتصل الى 60 دولارا للبرميل الواحد، مشيرا الى ضرورة الابتعاد عن التشكيك في مراوغة البلدان الاعضاء لقرار التخفيض لأن الجزائر بمقدورها جعلهم يحترمون القرار، كما استطاعت جمع الفرقاء والمتناحرين على طاولة نقاش واحد، جازما رزيق بالتزام هؤلاء بقرار تخفيض الانتاج المنعقد بفيينا اواخر شهر نوفمبر القادم، خاصة بعد اذابة الجزائر للجليد الذي كان يلف هؤلاء من خلال 60 لقاء دبلوماسيا انعقد على الهامش، معتبرا انه من مصلحة الجميع السير نحو تخفيض الانتاج وأولهم السعودية ودول الخليج العربي الذين تضرروا ايضا من انخفاض الاسعار.

 

اما بالنسبة للجزائر فاكد رزيق بأن نجاح اجتماع اعضاء الأوبك على اراضيها انها ارجعها الى الساحة الدولية بقوة بعدما برهنت انها قادرة على اداء الصعاب، مشيرا من جانب اخر بأنه من واجب الجزائر المهادنة على اعتبار ان اي نقص في الاسعار سيشكل لها متاعب كبيرة، بالاضافة الى انها بحاجة ماسة الى اي زيادة مهما كانت طفيفة في الاسعار لأنها ستسمح لها بتجسيد النموذج الاقتصادي للنمو باريحية وباقل التكاليف، معلقا على تصريح مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الطاقة آموس هوكستاين، بالقول انه ليس من الصالح الامريكي الوقوف كعثرة في وجه تحقيق التوازن والاستقرار في السوق، لأن ما تدفعه البلدان المتضررة الآن من فاتورة ستدفعه امريكا لاحقا، مستشهدا بتراجع واردات البلدان المتضررة من البلدان الاوروبية وأمريكا بفعل الازمة النفطية.

 

وفي نفس الصدد، وصف الخبراء الاقتصاديون القرارات المتخذة في اجتماع الجزائر، بتتويج الحنكة الدبلوماسية الجزائرية التي جمعت وجهات نظر مختلفة الأطراف في الحدث الاقتصادي العالمي وكشهادة ميلاد ثانية لمنظمة البلدان المصدرة للنفط الاوبيب وأن الفضل يعود للحنكة الدبلوماسية الجزائرية، وهو ما ايده بعض الخبراء الدوليين، حيث جاء في مذكرة أصدرها بنك غولدمان ساكس، انه يتوقع أن يرفع اتفاق تقليص الانتاج الذي توصل إليه أعضاء منظمة أوبك في الجزائر، أسعار النفط من 7 إلى 10 دولارات خلال النصف الأول من العام القادم 2017، كما أوضح محللو غولدمان ساكس ان “التطبيق الصارم لاتفاق منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك في 2017 سيعني تراجع الإنتاج ما بين 480 و980 ألف برميل يوميا” وهو ما سيعني انتعاش الاسعار.

ليلى عمران