بقلم: الدكتور محمد بوضياف

 

تحتاج الأمة، من بين ما تحتاج، للنهوض من غفوتها والسير نحو أهدافها ومنافسة الأمم على المراتب والمقامات إلى رجال ليسوا كالرجال، ومؤسسات ذوات مصداقية وفعالية وسياسات واقعية ناجعة، وتحتاج كذلك إلى تعبئة وحشد حول الأهداف والتذكير بها وحث الشباب على تبنيها والعمل على إنجازها، والتي لا تعد أن تكون في الحقيقة سوى مجموع طموحات الشعب وتطلعاته والتي يكون قد أجمع عليها ،،،

 

سيدي الرئيس يعي الشعب أن التحديات كبيرة وعظيمة وتذليلها قد يحتاج إلى فقه واسع وصبر كصبر الجمال، وحلم وعفو وكذلك إلى تضحيات ومهور أجزم أن الشعب في مستواها وعلى قدر كبير للاستجابة لها وتحملها لو كسبتم ثقته وأعدتم بناءها ،،،

 

لست هنا لأطرح مسألة الشرعية الدستورية أو أناقشها، فقد فصلت الانتخابات في ذلك،،، لكنني سأتجرأ للقول بأن مشروعية البرامج التي طرحت منذ مرحلة ما بعد الأزمة قد تآكلت، إن لم أقل أنها بلغت مستويات متقدمة من العجز،،، لا لأنها ليست جيدة ولا تف، بل لأنها لم تجد من يثمنها ويشرحها ويقدمها للناس حتى يستفيدوا منها،،، فالسبب واضح إذا وهو غياب التعبئة لها وانقطاع الشباب عنها، وسلهم إن شئت عن فرص الاستثمار في الفلاحة والصناعة والسياحة والتي أعلنتم على أنها رهانات للشعب واقتصاده ، ،،

 

سيدي الرئيس قد لا تكفي النصوص التشريعية والتنظيمية وحدها، على أهميتها في تنقية الأجواء وتهيئتها للاستثمار وإطلاق طاقات الأمة في إنتاج الثروة، لينخرط الشباب في ديناميكية أردتموها جارفة لكل مظاهر التخلف والتأخر،،، لكنكم، واسمحوا لي هنا، فقد وكلتم عليها أناسا مقطوعين عن الشعب ولست أقصد الوزراء وحدهم، على عظيم مسؤوليتهم في توليد الطاقة الكافية لإنجاز الرهانات وإحياء روح التحدي لدى الأمة من خلال استعدادهم لتنفيذ مشاريعهم وتجسيدها،،، بل ألفت نظركم أكثر إلى المسؤولين المحليين والذين تتفضلون بتعيين جزء كبير منهم كالولاة ورؤساء الدوائر وبقية المسؤولين التنفيذيين والذين يعجزون في غالبيتهم إلى اليوم على تحريك آلة الإنتاج، واستثمار إمكانيات ولاياتهم الطبيعية، وينتخب الباقي منهم في عملية سياسية لا تزال تتعثر سواء بسبب عدم نضوج النظام السياسي وعدم إيمان بعض مكوناته بالتعددية، مع التنويه بجهودكم في إعادة هيكلته بما يخدم المصالح العامة،،، أو بسبب منظومة حزبية منقطعة عن واقع الجزائر والسياقات التي تمر بها فهي لا تجتهد في بلورة حلول وبرامج تطرحها على الشعب بقدر ما تلهث وراء مكاسب الريع وامتيازاته وتزايد بخطاب يشتت جمع الأمة وتركيزها، يزيدها تغول الإدارة واركاسها لجهود منتخب هو بالأصل محسور ومحصور بين تعليمات حزبه وتسلط الإدارة وعجزه التقني وحينها لا تسل عن المردود للمجالس المحلية ولا عن التنمية،،

 

صحيح أن رواسب التاريخ الاستعماري قد كلست بعض أعضاء جسم الأمة وشلتها فصار أمرها إلى شتات لفرط التناقضات داخل المجتمع والتحولات المستمرة التي تعرفها بنية الاقتصاد الوطني، أو الصراعات السياسية التي لا تنتهي ،،، وتعطل إبداعات الشباب خاصة الجامعي منهم في المساهمة في مسيرة بناء الاقتصاد الوطني وعصرنة الدولة، لأسباب ثقافية وأخرى يصنعها الاحتكار السياسي المقيت الذي يرفض أن يشاركه شباب الجزائر في تسيير الثروة والسلطة ،،،

 

سيدي الرئيس أدام الله عافيتكم، إن مخاطبة الشعب وتوجيهه كما تفضلتم بفعله سنوات طوال، ولا زلتم عبر توجيهاتكم المكتوبة، وتكليف من يمكنه ذلك ويتقنه ولو نيابة عنكم سيكون له عظيم الأثر، وحث المسؤولين على النزول للناس والاحتكاك بهم خاصة الشباب، وتحريضهم على العمل والإنتاج وتيسير سبل ذلك لهو من بين أسباب النجاح، وفتح المجال أمام المعارضة المسؤولة والملتزمة بقضايا الأمة من خلال تمكينها من أداء واجباتها في توجيه الطاقات وشحذها في الاتجاه المطلوب لهو كذلك مطلب شعبي.

 

سيدي الرئيس لقد قلتم ذات يوم إن الديمقراطية ثقافة وتحتاج إلى زمن، وأن الاكتفاء بها كإجراءات قد تكون نتائجه صادمة للمجتمع، وهو عين العقل وعين الحكمة، وأظن أن الزرع الذي رعيتموه قد بدأ يؤتي أكله بعد أن أمنت الجزائر من اضطرابات عصفت بدول جارة وصديقة أركست جهودها، وضيعت مكاسبها، ولما اكتسبته قوى المجتمع من حصانة وتعايش ووعي، لقد آن الوقت أن تدشن سيادتكم مرحلة جديدة شعارها مؤسسات ذات مصداقية وفعالية بإمكانها إعانتكم على توجيه طاقات الأمة ورعاية مصالحها