يوسف بلمهدي

نلتقي في هذه اللفتات الإيمانية المباركة، على مائدة القرآن الكريم، نستجلي أنواره ونأخذ منه أسراره عسى أن ينفعنا وأن يجعلنا الله سبحانه وتعالى به من الناجين يوم القيامة إن شاء الله.

 

في هذه اللفتات القرآنية نذكر فوائد من معجزات عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذا الرسول المعجزة، وكلمة الله سيدنا عيسى المسيح عليه الصلاة والسلام، أقف عند قول الله سبحانه وتعالى من سورة آل عمران عند قوله:  إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)  (سورة آل عمران: الآية 45-46).

 

اللفتة الأولى التي أريد أن نلتفت وننبه إليها ونقف عندها هذه البشارة بالولد، وهو ولدها يقينًا لأنها تحمله في أحشائها ولكن لماذا قال الله تعالى لها  إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  ، فهو ابنها فلماذا قال:  ابْنُ مَرْيَمَ   ولماذا لم يقل لها فقط إنه عيسى ولدك وهي تعلم ذلك، وليس في القرآن حشو أو زيادة، بل القرآن كلام الله سبحانه عزّ وجلّ ليس فيه نقص وليس فيه زيادة، [لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ   تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] (سورة فصلت: الآية 42)، لما كانت تعلم ذلك نبحث عن الحكمة التي أضاف الله تعالى فيها هذه النسبة قال الحق سبحانه عزّ وجلّ:  اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ    لأنه من عادة الناس أن ينسبوا الأبناء إلى الآباء لا إلى الأمهات، ولكن سيدنا عيسى لا والد له فقد خلقه الله تعالى من غير أب، كما قال الله سبحانه عزّ وجلّ في بيان نسبة الأبناء إلى الآباء في إبطال دعوى التبني [ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ] (سورة الأحزاب: الآية 5)، فالناس ينسبون عادةً أبناءهم إلى الآباء، فأخبرها الله تعالى بهذا الأسلوب الجامع، بأن هذا الصبي سينسب إليها لأنه لا أب له، ولذلك قال الحق تعالى بأنه ابن مريم ولم يكتف فقط بذكر عيسى عليه السلام.

 

هناك لفتة أخرى في معجزات عيسى عليه السلام في قوله سبحانه وتعالى:  وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ  بالله عليك يكلم الناس في المهد وكهلا!، أما تكليم الناس في المهد فهو معجزة، كيف يتكلم هذا الصبي الصغير وهو في مهده وهو لم ينطق بعد بكلمة أو بصراخ؟ فالغرابة في التكليم في المهد موجودة وهي معجزة، ولكن أي غرابة وأي إعجاز أن يكلم سيدنا عيسى قومه وهو كهل، فالكهولة من العادة أن يتكلم كل الناس، فكل كبير يحسن الحديث؟!، اللفتة هاهنا ما قاله أهل العلم، أولاً إن كلامه في الحالتين أي حالة المهد والكهولة هو كلام الأنبياء، كلامٌ كاملٌ لا تفاوت فيه بين المرحلتين، خلافًا للناس، فقد ينطق طفل صغير في الثالثة أو في الثانية ولكن نطقه هذا لا يمثل معجزة لأنه قد يكون كلامًا مركبًا لا يفهمه ولا يكون في ميزان الحكمة في شيء، أما كلام سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فإن كلامه يوزن بميزان الحكمة والنبوة فهو كلام متزن، وكلام رصين، وكامل لا نقص فيه ولا ثلمة، قال تعالى على لسانه:  قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)  (سورة مريم: الآية 30-33)، فعلاً إنه كلام قوي، وكلام متماسك، وكلام من مشكاة النبوة، وكلام كله وحي إذًا الكلام في المهد، والكلام في الكهولة، كلام سيدنا عيسى عليه السلام لم يختلف لا في بداياته ولا في نهاياته لأنه حقق بذلك المعجزة المذكورة في هذه الآية الكريمة.

 

الأمر الثاني في لفتة أحب أن نقف عندها، هو ما قاله أهل العلم إلى أن الله تعالى عندما قال للسيدة مريم العذراء  وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ  أراد أن يبشرها بشارة أخرى ومعجزة غيبية متتالية، كون هذا الولد وهذا الصبي سيعيش ويطول عمره إلى أن يصبح كهلا ويناقش الناس ويحاورهم ويدعوهم إلى الله، وقد كان في السابقين وفي عهد اليهود الذين سبقوا من يذبح الأبناء ويستحيي النساء، كما فعل فرعون  في عهد سيدنا موسى، فكأنه قال لها لا تخافي على هذا الوليد، وعلى هذا الصبي الصغير، فسوف يعيش إلى أن يصل إلى وقت الكهولة وهذه بشارة إيناس أخرى للسيدة العذراء مريم عليها الصلاة والسلام.

 

ولفتة أخرى يذكرها أهل العلم يبينون بأن الله تعالى عندما ذكر مرحلة المهد ومرحلة الكهولة أراد أن يبين لنا أن هذا المولود وهذا المخلوق الجديد يؤثر فيه الزمان، فهو صبي ثم يصبح طفلا، ثم يشب شابا ثم يصبح كهلا، ومن حاله هذه يؤثر فيه الزمان فيتغير من حال إلى حال، يدل على أنه حادث مخلوق وهذا نفي لألوهيته ولربوبيته في أولئك الذين نسبوه وجعلوه إله، لأن الله تعالى لا يغيره شيء بل المولى سبحانه وتعالى وحده هو مغير الأشياء، أما جميع الخلق فيؤثر فيهم الحدثان الليل والنهار، أو المكان والزمان كما يؤثر في سيدنا عيسى، فلماذا تقولون بأن عيسى ابن الله وأن عيسى هو الله؟، كل ذلك كفر ولو نظرتم إلى هذا التدرج في الحياة لعلمتم بأن هذا الحدوث أو هذا التأثر وهذا التغير هو دليل الحدثان، وبالتالي أنى له أن يوصف بصفة الألوهية، إذًا قول الله تعالى:  وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ  يؤخذ منه هذه اللفتات الثلاثة المتتالية، وعندما نقرأ قول الله سبحانه عزّ وجلّ في هذه السورة المباركة كيف يكلم الناس في المهد؟ قوله سبحانه وتعالى يعني عندما أشار إلى هذا التكليم قالوا وقد أشارت السيدة مريم رضي الله تعالى عنها لأولئك الذين خاصموها وعادوها، وأشارت إليه حتى ينطق، [قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا] (سورة مريم: الآية 29)، اللفتة هاهنا وهل يكون في المهد كهلاً؟ وهل يكون في المهد طفلاً؟ وهل يكون في المهد رجلاً؟ لا طبيعي أن يكون الذي في المهد صبيًا، فما الفائدة من ذكر هذه الكلمة [كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا] قال العلماء المراد أن هذا الصبي حالة كونه صبيًّا، وحالة كونه صغيرًا في لحظاته الأولى التي ربما لم يشرب فيها لبن أمه ابتداءً، لا المراد بأن هذا الطفل عاش وتدرج سنوات وكان يوضع في المهد، كما يوضع عندنا ابن السنة وابن السنتين وابن ثلاث سنوات كل أولئك يوضعون في المهد، ولكن أراد الله تعالى أن يقول بأن هذا الصبي يكلم الناس في المهد حالة كونه صبيا وهي حكمة عظيمة، ولذلك عندما نقرأ المقولة القائلة وليست بحديث: “اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد” ندرك بأن المقصود هو جزء من إدراك هذا الصبي وكلامه ونظره وحفظه، فلا يمكن أن يكون من أول رضاعه ومن أول يوم يلتقم فيه ثدي أمه يكون متعلما، ولكن المقصود هنا بالمهد الطفل الذي بدأ يعي الخطاب أو على الأقل يرد الجواب فمن هنا أدركنا سر إضافة كلمة [فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا] أي حالة كونه صبيا، وأقف معك كما تقف معي عند قوله أي قول سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام:  وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا  (سورة مريم: الآية 31) كلام عظيم ساقه سيدنا عيسى عليه السلام في أول نطق له، السؤال المطروح كيف يوصيه الله تعالى بالصلاة والزكاة وهو صغير دون سن التمييز والبلوغ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أمروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع”، كل الشرائع تتفق على أن التكليف لا يكون إلا بعد سن البلوغ، فلماذا يطلب من سيدنا عيسى الصلاة والزكاة وهو لم يزل صبيًا يتقلب في الضعف، ويتقلب بين يدي أمه وفي أحضانها كما قال الحق سبحانه عز وجل؟ الجواب واضح تمام الوضوح أن سيدنا عيسى عليه السلام حصل له التمييز والعقل والبلوغ والرشد منذ أول خروجه إلى الدنيا، فهو ممن كلفه الله تعالى بالنبوة والحكمة في أول أيامه، ولذلك أي فرق أن يكلف وهو صبي أو ينتظر حتى يبلغ الرشد ويصل إلى مدارك العقلاء ومدارك أهل الخير؟!. نقف عند هذه اللفتات القرآنية والسبحات الإيمانية عسى الله تعالى أن ينفعنا بها وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.