يوسف بلمهدي

 

في وقفات ولفتات من دعاء نبي من أنبياء الله تعالى وعباده الصالحين إنه سيدنا سليمان، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لنقرأ أولاً هذا النص المبارك ولنقف معًا على ما فيه من لفتات مباركة، قال تعالى: [وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ   نِعْمَ الْعَبْدُ   إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى  تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ   فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى  كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي   إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)] (سورة ص: الآية 30-35) بدأت الآية بقوله سبحانه وتعالى:  وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ    وانتهت في دعائه  إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ  كأن الآية المباركة بينت أن هذا البيت من بيوت النبوة عوده الله سبحانه وتعالى الهبات الكثيرة، ولذلك كما امتن الله تعالى بأنه وهب لسيدنا داوود سليمان عليه السلام، كذلك وجدنا سيدنا سليمان يتذكر هذه الهبة فيدعو الله تبارك وتعالى أن يهبه وقد ذكر ذلك في قوله  رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي   إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ   تأكيد لهذه الصفة المباركة التي تنطق باعتراف من هذين النبيين، كأنه يقول:

وعودتنا كل فضل عسى ||| يدوم الذي منك عودتنا

فقد عودهم الله تعالى بإحسانه وهباته ولذلك طلب منه ما كان عوده  نِعْمَ الْعَبْدُ  إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى  تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)  القصة طويلة ولا يمكن استيفاؤها كلها.

ولكن أردت في هذه اللفتة الثانية أن نقف معًا عند قوله:  فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ  في هذا المهرجان الكبير الذي عرض عليه بعشيته صافنات جياد أي الخيول المسرجة الجميلة القوية، قال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي وكان وقتها وقت صلاة فكيف يقول يا ترى إني أحببت حب الخير أو المال، لأن المال يسمي خيرًا    وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  (سورة العاديات: الآية 8) أي المال، فالإنسان يحب الخير أي يحب المال، وقيل الخير هنا الخيل كما ذكر الله تعالى قبلها بالصافنات الجياد في هذا الوصف، فكيف يقول سيدنا سليمان إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي، هل يتوهم أن سيدنا سليمان ترك الصلاة وبقي يتفرج على هذا المهرجان العسكري الكبير الذي يعده لكي يجاهد في سبيل الله ويعلي كلمة ربه سبحانه وتعالى؟! قال علماؤنا ليس المقصود ]عَنْ[ هنا أي أنني أفضل الدنيا عن ذكر ربي لا أفضل الدنيا عن الآخرة، ولكن المعنى إني أحببت حب الخير عن الله أخذت هذا المعنى، كأنه تحدث عن مصدر هذا الحب أي من أمرني أن أحب الخير، ومن أمرني أن أحب الخيل المسرجة في سبيل الله إنه ذكر ربي، وإنه وحي ربي سبحانه وتعالى، فمعنى الآية ]إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ[ أخذت ذلك عن ذكر ربي أخذت مصدره عن الله سبحانه وتعالى حتى توارت الشمس بالحجاب فقال:  رُدُّوهَا عَلَيَّ   فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى  كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) .

وأقف معكم في هذه اللفتات الأخيرة عند قوله سبحانه وتعالى:  قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي   إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ

وفي لفتة أخرى أنظر كيف قدم الاستغفار عن طلب الدنيا وطلب استيهاب الملك فإنه حريص أولا على مغفرة الله تعالى له:  قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي   إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ   فإنما قدم الاستغفار على جميع الملك في الدنيا، لأن عادة الأنبياء والصالحين تقديم ذلك، فأمر الدين أولى من أمور الدنيا جميعها، ولذلك قال: ]رَبِّ اغْفِرْ لِي[ أولاً ثم ذكر المعنى الثاني، وقد تقف متسائلا كيف أن سيدنا يوسف عليه السلام قال:  رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ   فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ   تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ  (سورة يوسف: الآية 101) كيف أن سيدنا يوسف عليه السلام بدأ بذكر الملك قبل أن يتحدث عن الوفاء وعن الرجوع إلى الصالحين؟ الأمر يختلف بين ذلك الموضع وهذا الموضع بالذات، لأن هنا سيدنا سليمان يطلب الله تعالى أولاً أن يرزقه هذا الملك، ولذلك بدأ أولا بالمغفرة قبل سؤال الملك، أما سيدنا يوسف فقد أعطاه الله تعالى الملك دون أن يسأله، وبالتالي بدأ بهذه المنة المتفضلة من هبات الله سبحانه عزّ وجلّ فذكرها استشفاعًا بها، أي يا ربي كما جعلتني ملكا دون أن أسألك، بإمكانك أن تجعلني في الصالحين بعد أن سألتك، والأمر مختلف تمامًا كما ذكرت.

ثانيًا: في لفتة أخرى في هذه الآية وحدها كيف سأل هذا الملك له واستأثر به أولا لماذا سأل الملك؟ ولماذا سأل الدنيا؟ ولماذا سأل أن يكون حاكما وقال  وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي  إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ؟ الجواب عن ذلك أن سيدنا سليمان كان ناشئًا في بيت نبوة وملك، وقد ورث كل ذلك عن والده سيدنا داوود بدليل قوله تعالى:  وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ   (سورة النمل: الآية 16)، الذي كان نبيا وملكا، إنما طلب هذا الملك طلبه طلب معجزة من ربّه، وإنما عندما ألف الملك في بيت نبوته، سأل ذلك زيادة على الملك الذي آتاه الله تعالى على وجه خارق للعادة، وبالغ في حد الإعجاز لكي يدل ويصدق نبوته، حتى يكون قاهرا للمبعوث إليهم، فهذا معنى لا ينبغي لأحد من بعدي، أي إذا أعطيتني هذا الملك لا يستطيع أن يصل إليه أحد من الناس، وليس لكي يتوسع في الملك، ولكن لكي يعجزهم فيبلغهم لا إله إلا الله فهذا المعنى واضح بين.

لفتة أخرى إنه قال:  وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ  سؤال نطرحه هل حسد سليمان غيره من الناس أن يعطيهم الله تعالى ملكا مثلما أعطاه؟ وهل هو مريض إلى هذه الدرجة؟ حاشى لله فهو نبي من أنبياء الله تعالى المنزهين عن هذه الرذائل وهذه المعاصي وهذه الكبائر، فالأنبياء معصومون عن الكبيرة، ومعصومون عن الصغيرة، ومعصومون عن المكروه، ومعصومون أن يقعوا في خلاف الأولى بل لا يفعلون إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، فما معنى أن يقول  وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي   قالوا إنه سأل ملكًا عظيمًا جدًا لمَّا كان هذا الملك الذي يريد أن يستأثر به عظيما، وخاف أن تضيع فيه حقوق الله سبحانه وتعالى إذا ملكه غيره، ولذلك لما خاف على حدود الله تعالى أو أن يحدث فيه فساد يقصر فيه صاحبه على نفسه علم سيدنا سليمان عليه السلام أن هذا الملك لا يمكن أن يؤدى حق الله فيه إلا منه هو لا حسدا لغيره، ولكن رعاية لحق الله سبحانه وتعالى تماما مثلما قالت الملائكة عندما قال لها المولى تبارك وتعالى:  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  (سورة البقرة: الآية 30) أي لا نحسد هذا المخلوق الجديد وهذا الخليفة الجديد ولكن نخاف إذا جعلته ملكًا على هذا الكون أن يفسد في الأرض، وأن يسفك الدماء، وهذا ما خافه سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام، أما الحسد فلا يليق أن يوصف به، لأنه كما قيل في بعض لجاج الحجاج وفسوقه عندما قالوا له: “إنك حسود”، قال: “أحسد مني من قال هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي” ولكن هذه جرأة منه على الله وشيطنة تامة، لأنه ما كان يرعى حدود الله سبحانه وتعالى.

إذًا فنبي الله سليمان عليه السلام لم يحسد أحدًا، وإنما جاءت الآية للدلالة على أن الملك العظيم يخشى أن تضيع فيه الحقوق، ولن يقوم بتلك الحقوق إلا هو، ولذلك خاف على تضييع حدود الله وحقوقه، إلاّ أنه عبر بذلك كما جاء في هذه الآية الكريمة.