بقلم الدكتور يوسف بلمهدي

 نقف في لفتة من لفتات القرآن الكريم على هذه المائدة المبسوطة من كلام الله سبحانه عزّ وجلّ الذي لا تنقضي عجائبه، لا تمله الأتقياء ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق من كثرة الرد، كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز الحكيم: ﭿ كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)ﭾ (سورة مريم: الآية 1-6).

هذه الآيات الكريمة فيها من فوائد جليلة وحكم نبيلة ما ينبغي أن يبذل فيها طول العمر والمال الكثير، لأنها لحظات خضوع وخشوع، ولحظات ذلة ومسكنة بين عبد بلغ من العمر والسن أعتاه، فعلت فيه الأيام ما فعلت، وفعل فيه الزمان ما فعل، إنها لحظات العبودية المتألقة المشرقة، بل والمحرقة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا.

نقف عند اللفتة الأولى في قوله تعالى: ﭿإِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﭾ لقد راعى سيدنا زكريا عليه السلام حسن الأدب مع الله في دعائه، فإنه من المعلوم أن الجهر والخفاء بالنسبة لله تعالى سواء، ﭿوَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﭾ (سورة طه: الآية 7)، والجهر عنده كالسر، والسر عنده كالعلانية، فرغم كونه سبحانه وتعالى إذا ناديناه نداء عاليا سمعنا، وإذا ناديناه نداء خفيا سمعنا، إلا أن سيدنا زكريا عليه السلام راعى حسن الأدب مع الله سبحانه وتعالى فأخفى نداءه، ولم يرفع صوته، رغم أن الحق سبحانه عزّ وجلّ قال في كتابه العزيز: ﭿقُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﭾ (سورة الإسراء: الآية 110)، والصلاة هنا يقصد بها الدعاء، فالوسط بين بين أرضى لله تعالى وأحمد، غير أن سيدنا زكريا دعا ربه وناداه نداء خفيا، لمَ هذا الإخفاء؟، قال العلماء لأنه أدخل في الإخلاص وأبعد من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من غائلة مواليه الذين كان يخافهم، فأخفى هذا النداء، فإذ أخفاه لم يطلعوا عليه بحال، وكذلك أخفاه لوجه آخر أنه شيخ كبير فخاف من لوم الناس، كيف تطلب الولد وكيف تطلب العقب والوريث وقد بلغت من السن ما بلغت؟!، لأن الولد في هذا الزمان قد يتعذر أو قد يكون مستحيلا، لذلك أخفى نداءه حتى لا يعيب عليه الناس ولا يلومونه، فيقولون له كيف تتعاطى ما لا يليق بك في وقت الكبر والشيخوخة وقد بلغ يومها تسعا وتسعين سنة كاملة أي مئة إلا سنة.

وهاهنا سؤال آخر أو لفتة أخرى، أننا نتفق جميعا على أن شرط النداء الجهر فكيف يكون النداء مع الخفاء؟: ﭿ إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا” كان من المفروض أن يكون هذا النداء على الأقل عاليا، لأنه من شرط النداء الجهر، كما يقول علماؤنا في الصوتيات.

الجواب من وجهين: أما الوجه الأول فهو أنه دعا في الصلاة فأخفاها وأخفى دعاءه في صلاته التي كانت مناجاة بينه وبين الله سبحانه عزّ وجلّ، ولا يشترط هاهنا رفع الصوت كما يعلم من الصلوات السرية مثلا، ووجه آخر وهو أن النداء وإن كان بمعنى الصوت، لكن الصوت قد يتصف بالضعف فيقال: “هذا صوت خفي” مثل الهمس، فكذلك النداء وقد صح عن الفقهاء أن بعض المخافتة يعد من أدنى مراتب الجهر، فلو قرأ أحدنا بما يسمع نفسه أو يهمس في نفسه مثلا في صلاة الجهر فكأنه جهر لأن ذلك أدنى مراتب الجهر، فكأنه نادى ولكن بخفاء، ونادى ولكن بأدب، وبصوت شبيه بالهمس فهو صوت خفي وإن لم يكن عاليا.

ثم هناك لفتة أخرى أضافها أهل التحقيق في هذه المعاني فقالوا النداء الخفي عند خواص أهل الله سبحانه وتعالى تماما كالذكر الخفي، والذكر الخفي هو ما حفظ عن الحفظة ذاتهم فضلا عن الناس، حتى ولو اقترب الملك لكي يعرف ما يقول، فإن ذلك يبقى بينه وبين ربّه سبحانه وتعالى، ولذلك قيل في سرّ الإخلاص إنه سر من أسرار الله تعالى أودعه قلب من يحب من عباده، لم يطلع عليه لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، والوجه في عبارة النداء الإشارة إلى إقباله وتوجهه إلى الله سبحانه وتعالى بجميعه بحيث أسقط جميع الوسائط، وأسقط جميع الأغيار، ولم يلاحظ إلا ربه سبحانه وتعالى، فلا راعى كون الملائكة يكتبون، أو الحفظة المقربين يسجلون، بل كأن المجلس ليس فيه إلا الله الذي يُدعى وزكريا الذي يدعو، فكان بمثابة الخفاء الذي لا يطلع عليه أحد وهو سر من أسرار الله سبحانه وتعالى في هذه اللفتة القرآنية المباركة، وهو أدب من آداب الدعاء رفيع ينبغي أن نتحلى به، وما يتبادر إلى الذهن كذلك عند الجميع أنه أخفى نداءه لأنه ضعيف وشيخ كبير عاجز تماما، كما يزور أحدنا هَرِمًا كبير أو شيخا قد أنهكته الأيام فتجده إذا ما حدثك لا يستطيع أن يرفع صوته حتى برد السلام، أو الاطمئنان على سلامته.

ثم في قوله سبحانه وتعالى: ﭿإِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباًﭾ (سورة مريم: الآية 4) لنا في هذه وتلك وقفات.

ﭿإِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّيﭾ إشارة منه عليه السلام إلى ضعفه وقد أسند هذا الضعف إلى العظم ولم يقل إني وهنت، ولكن قال: ﭿإِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّيﭾ، لا لشيء إلا لأن العظم هو بمثابة عماد بيت البدن، فإذا أصابه الضعف مع صلابته وقلة تأثره بالعوامل الخارجية وغيرها، فإذا أصيب هذا العماد من البيت فوهن فإن سائر الأجزاء في الجسد تصاب بالضعف كذلك، وقال علماؤنا لعله اشتكى من سقوط الأضراس كما قال الإمام البغوي، ولعل في إفراده كلمة ﭿالْعَظْمُﭾ ولم يقل “العظام” ﭿإِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّيﭾ ولم يقل “إني وهنت العظام مني”، أفرد هذا اللفظ ولم يقل “العظام” لأنه يقصد جنس العظم أينما كان ولكن لو قال “إني وهنت العظام” بالجمع لخرج بعض أفراد هذا الوهن، لأنه قد يقال: هل يقصد عظام الرأس أو عظام الصدر أو عظام الأطراف؟ ولكن لما قال: ﭿإِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّيﭾ أي كل العظم في جنس ما يشمله هذا اللفظ، قد أصبح في وهن وقد أصبح في حال شديدة من الضعف فيا رب أنظر إلى هذه الحالة من الضعف الشديدة حتى تجيب دعائي، ندعو الجميع إلى التمسك بآدابه ونرجو عند الله سبحانه عزّ وجلّ كل الخير فإنه معطاء وإنه جواد وإنه كثير النوال.