قبلة العائلات الأولى بلا منازع

بين زرقة البحر وخضرة الطبيعة.. جيجل جنة الله فوق الأرض

 

يسمع الزائر لمدينة جيجل السياحية لأول مرة على لسان أهلها المرحّبين، أنه سيعود مرة أخرى بالتأكيد، إلا أنه لا يدرك المعنى الفعلي لما يقولون، إلا عندما يصرّ على العودة إليها مرارا وتكرارا، لينهل من جمال الطبيعة الساحرة وبيئة ناسها الطيبين.

ح/سامية

لا عجب أن تحتل جيجل المرتبة الأولى في تصنيف أجمل ولاية سياحية في الجزائر، بتصويت جمهور موقع ”تحواس”، لسنة ٢٠١٥، إذ لا يختلف اثنان أن الولاية ساحرة بشواطئها البديعة وعذرية طبيعتها وكهوفها العجيبة، وكورنيشها الرائع الذي يدفعك إلى استحضار عظمة الخالق فيما خلق.

ورغم كل ما تشاهده عيناك من سحر جيجل، تبقى لهذه الولاية ميزة أخرى تمثل نقطة جذب للسياح، وتتمثل في البيئة العائلية المحافظة التي تبحث عنها العائلات لقضاء عطلة بدون إحراج في وسط محافظ يعرف أهله قدر العائلة ولمّتها، فلا مناظر خادشة ولا تجاوزات أخلاقية منفرّة، لا نوادي ليلية صاخبة ولا جريمة أيضا.

البيئة المحافظة.. عامل جذب للعائلات الجزائرية

وجدت العائلات الجزائرية ضالتها المنشودة في جيجل، واتخذت منها الولاية الأولى دون منازع لقضاء موسم الاصطياف، حيث قصدها خلال الموسم المنصرم قرابة ٨ ملايين مصطاف، قد يبدو الرقم خرافي، لكنه واقع تعيشه جيجل كل صيف، بتحولها لملتقى وطني يؤم الـ ٤٨ ولاية عبر الوطن.

ويكفي أن تقوم بجولة عبر مدينة جيجل أو على الكورنيش الشهير، حتى تخبرك لوحات الترقيم بارتياد مواطنينا من الشرق والغرب والشمال والجنوب لجيجل.

وكلما سألت أحدهم عن سر اختياره للمنطقة، مع أن بلادنا تزخر بالجمال والطبيعة الخلابة، يجيبك في الحال أن البيئة المحافظة هي السبب، فبالإضافة إلى الجمال الرباني الذي حبا الله به جيجل، أسهمت البيئة المحافظة وبشكل كبير في أن تجعل من جيجل القبلة الأولى للمصطافين.

يقول مروان رب عائلة، التقينا به في شاطئ الصخر الأسود ببلدية لعوانة، إحدى أجمل مدن جيجل، بأنه منذ أن اكتشف البيئة العائلية المحافظة لجيجل، صار يفضلها على سواها” هنا في لعوانة، لا نصادف مشاهد مخلة بالحياء ولا العري ولا السلوكيات اللاأخلاقية، فأهل المنطقة معروفين برقي أخلاقهم، كما أنني لم أتعرض لا أنا ولا عائلتي لأي اعتداء أو سرقة خلال السبع سنوات الماضية التي اخترت فيها جيجل كوجهة سياحية.فالناس في حالهم هنا ولا يعترضون طريق أحد.

وتابع مروان ”لديّ أصدقاء يأتون إلى جيجل على متن سيارات عائلية رفقة ذويهم، دون أن يضطروا إلى كراء منازل تجنبا للمصاريف المضنية التي لا يقدرون عليها، في الأول لم أصدق أن هناك عائلات تأتي لقضاء أسبوع أو أكثر في جيجل دون أن تضطر إلى الكراء ولا حتى إلى ارتياد المطاعم، لكنني شاهدتهم بأم عيني، عائلات بأكملها تتنقل نهارا على متن سياراتها،ثم تتوقف في الغابات أو على الشواطئ للاستراحة، تقتني ما تأكله وتنصب طاولات للطعام وفرش خفيف للاستراحة، بحيث تضطر النساء للمبيت في السيارات أما الرجال فيفترشون أمام السيارت التي تجدها مركونة في ناحية منزوية من أي شاطئ أو غابة… دون أن يتعرض أحدهم لا للمسائلة ولا للأذى أو الاعتداء، وهكذا تجد العائلات من ذوات الميزانية المحدودة ضالتها في جيجل، أما الشباب فحدث ولا حرج، أغلبهم لا يلجئون إلى استئجار الشقق لأنها غالية، خاصة في عز موسم الاصطياف.

وتابع مروان أنه يكتري طابقا في فيلا على شاطئ الصخر الأسود، ولا تفصله عن الشاطئ سوى ٢٠ مترا على الأكثر، ويدفع مقابل ذلك ٤٠٠٠دج، مشيرا إلى أن هناك من العائلات من يشترط أكثر، لكن ذلك يتوقف على عدد غرف البيت أو الفيلا، وأعرف صديقا لي يستأجر فيلا من طابقين، يدفع مقابل ذلك ١٢ ألف دج، لكنه يأتي مرفقا بأصهاره وبناته وأبنائه، أي أن العائلة الكبيرة تجتمع كلها لمدة شهر كامل في البيت، الذي يحتوي حتى على حديقة مثمرة، ويسمح لهم صاحبها حتى باستهلاك التين والعنب المتوفر لأنه في موسمه.

 

الكورنيش الجيجلي، حجة وفرجة مع قردة ”الماقو”

يكتشف الزائر للكورنيش الجيجلي الكثير من العجائب، فبالإضافة إلى المناظر الساحرة التي يعكسها التقاء الخضرة بزرقة البحر من جهة، وتضاريس الجبال التي تمتزج فيها الطبيعة الصخرية بالخصبة في تشكّل نادر وعجيب، جعل من هذه البيئة مسكنا لقردة ”الماقو” المعروفين بشراستهم، لكن على ما يبدو أن طول احتكاكهم بالسياح والمصطافين الذين يفعلون الأعاجيب للتقرب منهم، بغية اللعب معهم وأخذ صور للذكرى، تحول معظمهم إلى قردة أليفين لا تصدر منهم أي سلوكيات غادرة، إلا عندما يشعرون بالخطر.

ومن الطرائف التي يلحظها السائح وهو يتفرج على أفواج القردة وهي تتلاحق تباعا لالتهام ما يجود به المصطافون، هو أكلها لكل شيء وأي شيء، حتى رقائق البطاطا”الشيبس” التي يقدمها لهم الصغار، وحتى الحلويات والمثلجات وأي شيء يخطر ببالك. ولعل أكثرهم سهولة في الاستدراج هم صغار القردة الذين يتميزون بالنهم مقارنة بالكبار، لكنك سرعان ما تلحظ أن عين الكبير تراقب الصغير لتحرسه دون أن تثير الانتباه وكأن الأمر يتعلق ببشر فطن ويتمتع بالوعي الكافي الذي يجعله يحرس فلذة كبده.

يتخلّل الكورنيش وجود استراحات تفتح ذراعيها للزائرين، إما بالعروض التقليدية التي تصنع الحدث في صيف جيجل، ويستغلها صغار الباعة والحرفيين، وإما بالشلالات الطبيعية ومنابع المياه الطبيعية المنبثقة من الجبال في منظر بديع، يدفعك للتسبيح بقدرة الخالق، فالماء فيها بارد في عز الصيف، منعش، تنسيك حلاوته وعذوبته المياه المعدنية بكل ماركاتها.

وهنا يتوقف السّياح للانتعاش وأخذ صور للذكرى وهدايا تذكارية أيضا، تختلف ما بين الملابس والهدايا الصغيرة، إلى الأواني التقليدية التي تملأ أرجاء جيجل، تجدها في كل مكان تعكس أصالة المنطقة.

 

الكهوف العجيبة.. من عجائب الطبيعة

تعدّ الكهوف العجيبة من أهم المعالم السياحية التي تميز الولاية والجزائر بصفة عامة، فشهرتها تمتد لربوع الوطن، بلغ عدد زوّارها ٣٠٠ ألف زائر خلال شهر أوت، أي بمعدل ٣ آلاف زائر يوميا، بحسب إحصائيات العام الماضي، وكيف لا وهي تمثّل عامل جذب وتعجّب، خاصة من طرف الزائر للولاية لأول مرة، ومن غرائب هذه المغارة احتواؤها على مجسمات كلسيّة طبيعية تشبه مغارات الأزمنة الغابرة، تشكلت بفعل ظاهرة تسرب مياه الأمطار المحملة بالكلس والأملاح المعدنية. وقد زاد المكان روعة مجاورته لغابة تشبه الغابات الاستوائية في كثافتها، وتنوعها البيولوجي، زادها سحرا لقاء البحر بالوادي تحت النفق، حيث يختار الآلاف من السّياح ارتياد المنطقة وتناول الغذاء فيه ”دار الواد”، بين القردة الذّين يقفزون بين أنحاءها يشاركون المصطافين دهشتهم بالمناظر الطبيعية،وقد زاد النفق الذي أُنجز خلال السنوات الأخيرة وفقا لأحدث المقاييس العالمية حلة جديدة للمكان، لأنه صار يعكس روعة المكان وشساعة شاطئ الكهوف.

ويبقى أن المكان على روعته لا يستوعب الأعداد الهائلة المتوافدة عليه يوميا من الزوار، والتي تعكسها صعوبة ركن السيارات، بالرغم من لجوء السلطات المحلية، إلى تهيئة حظائر لتوقف السيّارات والحافلات التي تتوافد من كل ولايات الوطن، مما ينعكس سلبا على الضغط المروري الكبير، الذي لم تنفع معه أي حيلة لا توسيع طريق ”مغارة الباز” التي يتوقف عنها آلاف الزوار أيضا، ولا تهيئة المسالك وتجديدها في محاولة توسيعها لامتصاص الضغط.

 

حديقة الحيوانات مزار سياحي لا تفوته العائلات

أثبتت حديقة الحيوانات ب”كيسير” بعد مرور ما يقارب ١٠ سنوات على فتحها بأنها الوجهة المفضلة للعائلات، فهي لوحدها تمثل جهة سياحية متكاملة، توفر للزوار الفرجة على مختلف فصائل الحيوانات حتى النادرة منها، وبمجرد دخول الزائر لها، يشعر أنها رئة ومتنفس طبيعي بطبيعتها الخلابة، التي وجد فيها تشكيلة من الحيوانات من كل بقاع العالم، بدءا من حيوان اللاما من صربيا والديك الفرنسي والفيل الإفريقي والقردة من أمريكا اللاتينية وأخرى من أدغال أفريقيا.

و تمثل هذه الحديقة التي دخلت حيز الخدمة في جويلية ٢٠٠٦ والمتربعة على ٢٤ هكتارا ببلدية لعوانة على بعد خطوات قليلة عن الشاطئ، فضاء عائليا بامتياز، تجد فيه العائلات زيادة على الفرجة، الترفيه بحديقة تسلية للأطفال، ومطاعم تتوسط الحديقة هي بمثابة استراحة عائلية، ومن العائلات من تكتفي بجلب الطعام ولا يكلفها الأمر سوى بطاقة الدخول، لقضاء يوم ممتع واستنشاق جرعة كافية من الأوكسجين.

الزائر لجيجل خلال الصيف، لا يمكنه سوى الإشادة بأطباقها المميزة، فبشهادة الكل مطاعم جيجل رائدة في الطبخ التقليدي والعصري على حد سواء، ومحلات الشواء تملأ أرجاء المدينة، فجيجل مشهورة بلحم العجل الشهي، ومن الطرائف التي تصادفها في المدينة هو تجول قطعان البقر والعجول في الطريق العام، ترتعي لوحدها وتشق طريق العودة قبل أن يسدل الظلام أجنحته على المكان.

ولعل من أشهر الأطباق التي تميز جيجل، هو طبق الكسكسي بالسمك، كيفية صيفية بامتياز يسعى كل زائر لتذوقها باعتبارها الطبق التقليد الذي يميز المنطقة عن غيرها.