حمس.. أين وإلى أين ؟
بقلم فاروق أبو سراج الذهب طيفور

خمس وعشرون (25) سنة مرت على التأسيس الرسمي القانوني لحركة المجتمع الإسلامي في الجزائر (29 ماي 1991-29 ماي 2016) بعد مضي عقدين من الزمن من العمل السري من مرحلة الستينات إلى الثمانينات، التي تميزت بالمطاردة والسجن والقمع وسياسة الرأي الواحد الذي يختصر طبائع استبداد الحاكم تحت شعار “ما أريكم إلا ما أرى” ولأن سنن الله لا تحابي، ودوام الحال من المحال، فقد انفجر الوضع في 05 أكتوبر 1988، وتغير الحال وتم الانتقال من الأحادية إلى التعددية، ولكنها بعد سنوات من الفوضى والجنون والقتل والدموع، تحت ظل حالة الطوارئ، عادت الأمور إلى شبه ما كانت عليه، فتحولت الأحادية المتعددة إلى تعددية واحدة.
ربع قرن من النضال والعطاء والإنجاز..25 سنة قدمت فيها القيادات والمناضلون على السواء عربون الوفاء للمبادئ والقيم بدمائهم وعلى رأسهم الشيخ بوسليماني وقافلة من 550 شهيد لتجسير طريق الوسطية والاعتدال ونبذ العنف.
وفي ربع قرن تخرج من حركة الأئمة العاملون والدعاة الربانيون والبرلمانيون الواعون والوزراء المسؤولون والإعلاميون الراسخون والاقتصاديون والكتاب العامون ورؤساء البلديات والإطارات هم الآن متواجدون في كل الفضاءات والإدارات في ربوع الجزائر بتاءاتها الأربع، وأهلت قادة العمل الطلابي والنسوي والاجتماعي الإغاثي في كل مكان وكونت آلاف الطلاب والشباب وتأسس خلال هذه المسيرة المئات من جمعيات النفع العام.
شاركت الحركة في إعادة بعث المسار الانتخابي بعد توقفه وإلغاء نتائجه وساهمت في كسر إرادة التدويل وأقنعت بعض أطراف السلطة الرافضين للمصالحة الوطنية وساهمت في ترسيخ موقف الجزائر من فلسطين حيث صار محل إجماع.
ربع قرن من العطاء والتفاني في حماية الوطن من التهديدات الخارجية والداخلية عبر سلسلة من التحالفات التي تشكل فيها الحركة إسمنتها المسلح بقيم التوافق والإجماع والتنسيق في القواسم المشتركة…نعم كما كانت للحركة إنجازات كانت لها إخفاقات لكن ماميز موقف الحركة من إخفاقاتها أنها لم تخفها بل اعترفت بها أمام الرأي العام وصححتها سواء بتغيير السياسات والبرامج أو بتغيير القيادات والهياكل أو بتقييم مسارها السياسي بطريقة مؤسسية جريئة فصنعت لنفسها موقعاً سياسياً متميزا في الساحة السياسية والإعلامية الوطنية والعالمية.
وقد كان لزاما على الحركة في مسارها منذ التأسيس وهي تمارس العملية السياسية بين ثوابتها ومتغيراتها أن تجتهد اجتهادات جماعية ومؤسساتية وأن تتخذ مواقف لم تكن مقبولة لدى لفيف من السياسيين والإعلاميين وحتى جزء من الرأي العام الجزائري وجمهور الحركات الإسلامية في العالم.
فاجتهدت الحركة مبكرا كما قال الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في الذكرى العاشرة للتأسيس في التمييز بين الدولة والحكومة والحكم والحكومة والدولة التقليدية والدولة الحديثة. واجتهدت الحركة في ربط الوطنية بالإسلام والإسلامية بالوطنية.
واجتهدت الحركة مبكرا في الشورى والديمقراطية وأن لا تنافي بينهما ما دام الهدف هو تقليم الاستبداد وفتح الحريات وتقوية الاستماع إلى الآراء والمقترحات وتنشيط الذهن والفكر فيما يستهدف درء المفاسد وجلب المصالح والاعتماد على خيار الشعب وتبني الانتخابات ونبذ الإرهاب.
واجتهدت الحركة في تدارك التصحيح لصورة الإسلام الذي ارتبط بالإرهاب والتخريب والتدعيش.
واجتهدت الحركة في إشراك المرأة في العمل السياسي وإعارتها اهتماما يفوق غيرها من الحركات على مستوى الهياكل التنظيمية والسياسية والمجتمعية.
واجتهدت الحركة في تقديم مقترحاتها الاقتصادية والتنموية وكيفية القضاء على المديونية الثقيلة والبطالة والفساد والخروج من التبعية للمحروقات وتحقيق الأمن النفسي والغذائي.
واجتهدت الحركة في عقلنة التحرك السياسي وتخفيض منسوب العاطفة التي هي أحد مقاييس التحرك السياسي.
واجتهدت الحركة في الاستنكار على الغلو في الدين بوضوح كما أنها تستنكر الغلو العلماني بوضوح أشد.
و اجتهدت الحركة في غرس ثقافة التسامح والتشاور والحوار مع رجالها ومع غير رجالها ومع الجزائريين ومع غير الجزائريين في المؤتمرات الدولية.
واجتهدت في تحديد وظائفها وتخصصاتها في موازنة ذكية بين ماهو وظيفة فكرية وسياسية وماهو وظيفة اجتماعية ومجتمعية وماهو وظيفة تربوية ودعوية وذلك من خلال تأسيس عديد الفضاءات المجتمعية التي تدخل في مسار جديد للممارسة الحضارية بما يحقق شمولية الفكر وتخصصية الممارسة والعمل.
خمس وعشرون (25) سنة من عمر الحركة الرسمي كفيل بمباشرة عمليات التقييم والمراجعة للباحثين والسياسيين والإعلاميين على مستويين، الفكري السياسي والتنظيمي:
أما على المستوى الفكري: خرجت الحركة من سريتها (1962-1989) إلى العلن بالإعلان عن جمعية الإرشاد والإصلاح بعد أن كانت تسمى “جماعة الموحدين” وكانت قراءتها لما حدث في الجزائر غداة أحداث 05 أكتوبر1988، من انتقال ديمقراطي، ودخول في التعددية السياسية، قراءة يكتنفها الشك والريب في حقيقة ما يجري، لذلك أرجأت تشكيل حركة سياسية إلى حين “انتفاء المانع”، فقد كان يمكن أن تقود الرأي العام إلى مسارات غير التي حدثت عندما قاد الرأي العام دعاة وسياسيون من أبناء التيار الإسلامي سلكوا منهج المغالبة في بداية التجربة الديمقراطية الوليدة، التي ولدت ولادة قيصرية مشوهة وبسبب “الطفرة الديمقراطية” التي فرضها دستور 23 فبراير1989، ودخلت البلاد في أزمة تدرجت من رفض السلطة إلى ضرب الدولة ومؤسساتها، مما اضطر الحركة إلى وضع أولوية حماية الدولة قبل أي أولوية أخرى.
في هذا السياق، وفي مثل هذه الظروف، وجدت الحركة نفسها مضطرة إلى صياغة استراتيجية المشاركة السياسية بشعار: “الجزائر حررها جميع المخلصين، ويبنيها جميع المخلصين” ولو بسقف محدود من المشاركة من أجل الجزائر، اندرجت في مسعى حقن دماء الجزائريين وإقرار المصالحة الوطنية، كأولوية شرعية، هذا السقف المحدود الذي يمكن تلخيصه في مشاركة محتشمة تم اختزالها في عدد من الوزراء والنواب ورؤساء البلديات والمجالس الولائية ولفيف من الإطارات الإدارية، في مقابل تدني الحضور الشعبي لمناضلي الحركة الذين عودوا الرأي العام على الدعوة والحضور المسجدي والنضال الإسلامي في خنادق الحكمة والموعظة الحسنة، وهكذا 1992-2002- اتسعت الهوة بين الرأي العام والحركة، بالوقوف في وسط الملعب السياسي والاجتماعي، تنظر إلى السلطة وإلى الجمهور، وإلى المواقع والمكتسبات، وإلى الفكرة والمشروع، دون أن تسمح لها ظروف المأساة الوطنية ببلورة رؤية واضحة تثمن الإيجابي وتنتقل بسرعة إلى المستقبل برؤية استراتيجية جديدة تحقق مفردات الإصلاح السياسي والاجتماعي.
هذا السقف كان مقبولا من أجل السلم والاستقرار وحماية الدولة من الانهيار والتفكك ولكن تسارع الأحداث وتلاحق التحولات في المنطقة العربية وتراجع العملية السياسية وفشل التنمية في الجزائر جعل السقف القديم لا يحقق مشروع الإصلاح الذي تناضل من أجله الحركة، فضلا عن حالة الأزمة التي عادت مؤشراتها وصورها إلى واقع الناس باعترافات سلطوية متكررة وارتباك كبير في التعامل مع المعطيات الجديدة.
وهو الواقع الذي استشرفته الحركة منذ فك ارتباطها بالتحالف الرئاسي وخروجها إلى المعارضة برؤية جديدة متجددة فاستطاعت أن تساهم في جمع لفيف من مكونات الطبقة السياسية في عمل مشترك اعتبرته أغلب الأوساط غير مسبوق في التجربة السياسية الجزائرية فأعطت الانطباع أن حديث المراجعات في حركة مجتمع السلم ليس ترفا فكريا بقدر ماهو عمليات جراحية تمت بذكاء واقتدار وبدون ضجيج، فجاء المؤتمر الخامس ليثبت ماقررته مؤسسات الحركة قبل المؤتمر من خلال تأكيد الخيار الاستراتيجي للحركة الذي يضبط حراكها السياسي وتعاملها مع كل الشركاء فجاءت السياسة العامة لتؤكد إرادة التجديد في الممارسة السياسية لحركة مجتمع السلم حيث استطاعت أن تستفيد من تجربتها السابقة يتعلق الأمر بمرحلة المعارضة في زمن السرية وتجربة المشاركة في الحكومة لتطلق بعد مؤتمرها الخامس الجيل الثاني للمشاركة السياسية بمفهومها الشامل.
أما على المستوى التنظيمي: فقد عاشت الحركة مرحلة من الزمن في ازدواجية تنظيمية بين الجماعة والحزب والجمعية والنقابة والمؤسسات الشبابية، وأسست الجماعة آنذاك عددا معتبرا من “الفضاءات التنظيمية” والواجهات على مستويات فرعية هامة تغطي كافة الأهداف والمشاريع والمهام، وعملت على تجسيد استراتيجية انفتاح واعية وانتشار حقيقية تقوم على:
انفتاح على المستوى السياسي.
انفتاح على المستوى الاجتماعي والخيري.
انفتاح على المستوى الطلابي والشباني.
انفتاح على المستوى النسوي.
انفتاح على مستوى جمعيات الأحياء.
انفتاح على مستوى المؤسسات الرسمية “المجالس العليا”.
انفتاح على مستوى الحركة الإسلامية “مبادرات الوحدة ومحاولات التنسيق”.
انفتاح على المستوى الإعلامي “صحف معربة ومفرنسة…”
انفتاح على المستوى الخارجي “انخراط في تنظيمات دولية عربية وإسلامية وغربية…”
انفتاح على مستوى العلاقة مع السلطة “المجلس الانتقالي/السلطة التنفيذية… الخ”.
انفتاح على المستوى الأمني في مسعى معالجة الأزمة الأمنية الخطيرة.
وبقيت الحركة تسير كل هذه الملفات من خلال ازدواجية التنظيم إلى أن دخلت في عملية التكييف وإعادة الهيكلة، بعد تعديل الدستور سنة 1996، فجمعت كل الجهود في تنظيم واحد هو “حركة مجتمع السلم”، الأمر الذي كلف الحركة انفصال أزيد من نصف أعضاء المكتب الوطني (أي الجهات الثلاث بمصطلحات الدعوة). وجاء التعويض عاجلا من طلبة الجامعة، ومضت الحركة في صياغة مفردات وفقرات المشاركة السياسية إلى أن ترشح الشيخ محفوظ نحناح لرئاسيات 1995، حيث عرفت هذه المرحلة انفتاحا كبيرا وواسعا على هوامش مؤسسات الدولة الجزائرية، وعلى الرأي العام المحلي والدولي، ودخلت الحركة مرحلة سياسية جديدة، لكن تعديل الدستور سنة 1996، وتقليص هامش الحريات السياسية فيه، حيث منع الشيخ نحناح من الترشح للرئاسيات سنة 1999 ظلما وتعسفا، كما دفع هذا التعديل الحركة إلى ضرورة التكيف مع منطوق الدستور الجديد بتغيير اسمها من حركة المجتمع الإسلامي إلى حركة مجتمع السلم وتكييف كل مفردات القانون الأساسي، بما يتيح لها حق تجديد الاعتماد من وزارة الداخلية، ومن أهم ما انعكس على الحركة في هذه الفترة هو أن الدستور دفع الحركة إلى أن تصبح مجرد حزب إداري بلا دعوة ولا رسالة إلا المواعيد الانتخابية بعيدا عن أهم مفردات خطابها السياسي المألوف مما أثر على وعائها الانتخابي، فكانت النتيجة سلبية سنة 2002 حيث سجلت تراجعا انتخابيا كبيرا وصل إلى حد فقدانها “نصف عدد النواب في البرلمان أي التراجع من 71 مقعدا إلى 38 مقعدا”.
مع كل هذه الهزات، لم تتأثر الحركة، وظلت ماضية في مسارها محافظة على شكلها التنظيمي وخطها السياسي، إلى أن فجعت بالتحاق الشيخ بالرفيق الأعلى، سنة واحدة بعد انتخابات 2002، يوم 19 جوان 2003 لتعقد مؤتمرها الثالث، بعد 45 يوما مضت على رحيله في أوت “أغسطس” 2003، ولم يناقش المؤتمر السياسة العامة ولا السياسة التربوية ولا الأشكال التنظيمية والهيكلية، بل انحسر النقاش والتدافع حول من يكون رئيسا للحركة، خلفا للمؤسس “رحمه الله” وتمايز آنذاك فريقان، وانتصرت الشورى والديمقراطية، ولكن الوضع بقي على حاله، وتحت شعار “من التأسيس إلى المؤسسة” تحركت نقاشات عميقة داخل المؤسسات، الطلابية الاجتماعية الشبانية والسياسية”، وهي البيئة التي لم تساعد على بعث نقاش جاد حول السياسة العامة للحركة والهياكل التنظيمية، وانعقد المؤتمر الرابع، في أجواء سادتها- في بداية الأمر- نقاشات عميقة شملت كل ما له صلة بالدعوة والتربية والخط السياسي والمشاركة، وصدرت مطبوعات وكتب ونشريات في هذا الشأن، ودخلت المؤتمر برؤيتين في دلالة واضحة على تنوع وثراء مدرسة الحركة.
وواصلت الحركة مسارها السياسي لتصل إلى محطة المؤتمر الخامس الذي أثبت للجميع أن المراجعات والتقييم في حركة مجتمع السلم حقيقة ملموسة وحاجة سياسية، وأرسل رسائل أقوى تتعلق بسيادة القرار والموقف واستقلالية الذمة السياسية عن كل الفواعل وخرجت من المؤتمر أكثر قوة ووضوح في الرؤية وبقيادة جديدة تعبر عن مقاربة سياسية متجددة حركت الرواكد وأسست لمسيرة سياسية وحزبية مشتركة جمعت تيارات متنوعة المشارب السياسية ولكنها مجمعة على أولوية الحريات والانتقال الديمقراطي، هذه المقاربة التي ستتعرض إلى امتحان سياسي هام في الاستحقاقات السياسية القادمة وتتطلب عبقرية سياسية تتعاطى مع الواقع بأسلوب جديد وبدائل جديدة وتتعامل مع الانتصارات والانكسارات بعقلية سياسية ذكية تصنع من التهديد فرصة ومن النجاح سلم نحو الإقلاع وتتسلل في رواق الاختلالات والتناقضات لتصنع الانتقال والتميز وتستخدم العقل للجم العواطف وتستثمر العواطف لإشعال إبداع العقول.
ولعل من ضمن أهم التحديات التي تواجه الحركة كواحدة من الحركات الرسالية في العالم الإسلامي هو الانتقال من مرحلة التفاعل السياسي وردات الفعل إلى مرحلة الفعالية السياسية الحضارية أو ما يسميه عبد المجيد النجار الشهود الحضاري، حيث يقابله -على النقيض- مفهوم “الغياب الحضاري”.. فإما أن يكون الإنسان صانعا لمستقبله مخططا لقراراته وإما أن يكون ضمن مخططات الآخرين فيبقى على هامش التاريخ.
والحركة بما تملكه من تجربة وخبرة ورصيد نضالي وتاريخ سياسي حافل لابد أن تسارع إلى المساهمة في عملية التجديد الإسلامي المقبل على كافة المستويات، ولعل الانتشار السريع للفكر الداعشي بأيادٍ غربية واضحة وعيون زرق سيساعد على تسريع عملية التجديد الإسلامي المنتظر، أي نعم لسنا أصحاب فكر مهدوي ننتظر المهدي كما تفعل بغض الطوائف ولكن الله جعل سنة التجديد على رأس كل قرن يجدد فيه الدين ليس إضافة آيات وسور جديدة للقرآن أو إعادة ترتيب سوره بل بتجديد الفهم للنصوص وصياغة جيل النصر المنشود الذي يعرف دينه بحق ويمارس تدينه على الطريق السليم، فالأمة اليوم تنتظر من النخبة المفكرة في الحركة الإسلامية وفي قلبها حركة مجتمع السلم نظرة جديدة تخلصها من كابوس الانقسام والتفكيك والتدمير المبرمج من خلال صياغة رؤية جديدة متجددة تعيد الأمة إلى رشدها وخيريتها وتواجه بها المشروع الغربي المنافس بل والمستغل لقدرات وخيرات الأمة وهو دور اضطراري وليس اختياري للنخبة اليوم.
كما يجب أن نساعد التيارات العلمانوية على سلوك طريق المراجعات بل لابد أن تقوم بها على عجل لأنها تحكم بلادنا باسم العلمانية الشاملة سواء تلك العلمانية التي تقف على أفكار غربية معادية للدين ومانعة له من أن يساهم في التنمية وترقية شؤون الحياة أو تلك النخب التي لم تختر العلمانية الشاملة بل اختارت العلمانية الجزئية ولكنها في حرب معلنة مع حركات الإسلام السياسي التي مطلوب منها اليوم أن يكون لها موقف صريح وجريء من العلمانية الجزئية لأنها الأقرب لتجسيد مشروع الأمة المتوافق عليه بعقد سياسي جديد تكون فيه قواعد اللعبة السياسية واضحة ومحترمة في تنافس سياسي حقيقي على البرامج والرجال بعيدا عن الاحتكارات السياسية للدين أو الوطنية أو العروبة أو السلطة أو الحرية والديمقراطية أو التوظيف غير الدستوري لمؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسات العسكرية، لقد آن الأوان لحركات الاسلام السياسي وكذا حركات التيار العلمناوي أن تلتقي على كلمة سواء لترتيب البيت الداخلي بتوافق فيما بينها في مصالحة تاريخية تنقد الأمة من الصراع النكد الذي دام قرابة القرن من الزمن.
ومن ضمن أهم الملفات الأساسية التي ينبغي أن نوليها الاهتمام البالغ هو أن نعمل على المستقبل وأهم مافي المستقبل هو الجيل الجديد الذي ينبغي أن نستثمر فيه فكريا وثقافيا عبر إصلاح حقيقي للمنظومة التعليمية على كافة مستوياتها وهو ماينبغي أن تنتبه إليه الحركات الإسلامية التي تعتمد التربية والتكوين والتدريب منهجا في الإصلاح والتغيير رغم أنها توجهت في الآونة الأخيرة إلى السياسة وطغى فيها السياسي على الدعوي والاجتماعي، إن المساهمة في صياغة الجيل يعتبر أولوية الأولويات وينبغي أن نعطيه من الأوقات والأموال والخطط ما نستطيع به مواجهة هذا الفكر الذي أصبح يهدد نسيج المجتمع ويستغله المنتظم الدولي في مواصلة مشروع الهيمنة، ذلك أن مستوى من مستويات التجديد في المستقبل هو التأسيس لمؤسسات تعليمية جادة تعمل على بناء التوجهات لدى الأجيال وأهم مافي تلك التوجهات فهم الدين وممارسة التدين، على اعتبار أن التدين حاجة إنسانية أساسية والناس كل الناس لايتدينون في الأحزاب بل في دور العبادة وهي عندنا المساجد، فالمستقبل القريب يتطلب ممن يحمل الفكر الإخواني أن يتخصص بعض قادته ودعاته في التربية والتعليم والتوجيه وتصحيح الصورة العامة عن الإسلام وصناعة رموز جديدة مركزية ومحلية يكون همها الرئيسي التربية والتعليم عبر مؤسسات تعليمية وإعلامية وشبابية وكشفية محلية فاعلة وجادة بمعايير جاذبة تستطيع التعاون مع المؤسسات الرسمية التي ينبغي عليها الخروج من نمطية التعليم العام والحرص على المساهمة في عملية تجديدية تستهدف الأجيال على مستوى الفكر والمواطنة الصالحة أيضا، على اعتبار أن مواجهة الفكر الداعشي الذي أصبح ينتشر في أوساط الشباب يوما بعد يوم يتطلب تحالفا مجتمعيا كبيرا يكون في قلبه الدعاة والعلماء والمعلمين والمفكرين من مدرسة الوسطية والاعتدال.
كما أن مسار ارتباط ماهو دعوي بما هو سياسي أصبح على مستوى الممارسة يشوش على الرؤية العامة للممارسة السياسية الجادة لدى الرأي العام وأصبح من الضروري بل من الاضطراري تسريع وتيرة الدخول في مسار التمييز الوظيفي في مجالات العمل باستقلالية عملية وليس بسياقات إعلامية تشوه الصورة أكثر مما توضحها وتعطيها المعنى والمبنى الحقيقي(النموذج التونسي) دونما نزوع نحو اللائكية الحركية كما قال الشيخ محفوظ نحناح “فالتمييز والتخصص مسار وليس قرار أو فرار” وهو مسار سيساهم بلا شك في استعادة الكثير من الكفاءات والقدرات المجتمعية ذات المستوى العالي والتي غادرت ساحات العمل لأسباب سياسية أو تنظيمية على اعتبار أن مسار التمييز الحاسم بين ماهو سياسي وماهو دعوي أصبح أمرا مطلوبا ومثابة من مثابات التجديد في هذا القرن، غير أنه يواجه تحديا أكبر وهو تحدي الجذب القيادي والمركز المؤثر الذي يستطيع تسيير المرحلة دونما نزوع عن تفكيك المفكك وذهاب الريح، والأمر يتطلب حضورا قياديا متنوعا يربطه تحالف وظيفي قوي ومركز جاذب أقوى وأصلب يضمن مرحلة الانتقال والترحيل للوظائف، على اعتبار أن جوهر التجديد المقصود هو تحرير الطاقات الكامنة في الأمة لتأخذ مكانها الطبيعي في ساحة التخصص العملي المستقل في القرار طبعا، وتمارس عملية التجديد والتصحيح والترقية لمواجهة تيار التكفير والتطرف والتدعيش المبرمج وكدا تيار التيئيس والتخويف والعلمنة والفساد، وهي قضية تتطلب كما قلت تحالفا مجتمعيا واسعا يتجاوز التنظيمات إلى المجتمع لأن آفة الإرهاب والعنف والتطرف والتشدد والاستبداد والظلم والفساد أصبحت تشكل تحديا كبيرا أمام تقدم الأمة وتطورها، وعلى تيار الوسطية والاعتدال الذي تمثله القيادات الإخوانية في كل قطر أن تقوم بذلك بغض النظر عن موقف الأنظمة منها صراعا أو تنافسا وأن لا تعتبر ذلك وظيفة سياسية أو حزبية بل تنتدب من قياداتها وأبنائها من يقوم بهذا الواجب الإسلامي بدون أن تطلب من ذلك جزاء ولا شكورا على اعتبار أن ترك الساحة الإسلامية دعويا وإسلاميا لتيارات السلفية الجهادية أو تيارات الطرقية الزائفة هو تولي يوم الزحف الأكبر، كما أن البحث عن تحالفات مع تيارات الصوفية الإيجابية وتيارات السلفية المستنيرة وربط العلاقة مع مؤسساتها أمر مطلوب بل استراتيجي بالنسبة لمشروع الأمة في الانعتاق من الهيمنة الثقافية وحتى الدينية التي تستهدفنا عبر المشاريع العابرة للقارات والديانات.
كما أن وحدة الصف الإسلامي أصبح يشكل عقدة ضمير عند كل التشكيلات الإسلامية الحالية والطموح نحو الوحدة واجب شرعي وطموح نضالي ينبغي أن نتعامل معه بمنطق مستقبلي وليس ماضوي عاطفي، فالتجارب التي فشلت في مسار وحدة الطليعة الإسلامية للتيار لاينبغي أن تتكرر أو أن نراهن عليها بل لابد من إبداع الطرق والوسائل الكفيلة بتحقيق الهدف والجوهر والأولوية وليس رسم الأشكال والتصاميم التي تجامل أكثر مما تناضل.
وتبرز هنا الوحدة الفيدرالية كحل موضوعي وبديل قابل للتجسيد والتنفيذ(وهي خلاصة ما وصل إليه علم التكامل والاندماج) على اعتبار أنه بديل لا يمس بسيادة الأطراف السياسية الحاضرة في ساحة العمل الإسلامي في الجزائر، فهو لايقترح تغيير القيادات أو التزاحم والتنافس من جديد على الزعامة والقيادة وهو أيضا لايقترح توحيد المقاربات السياسية التي يختلف بشأنها الأطراف، وهو أيضا لايقترح الهيكل التنظيمي الموحد لجميع المناشط والوظائف، بل يقترح الإبقاء على السيادة في القرار الداخلي لكل الأطراف ويحافظ على الهياكل التنظيمية لها بالإبقاء على القيادات الحالية ويقترح عملا مشتركا في القواسم الجامعة التي تمثل أسس المشروع الرسالي في فضاء مرن يتداول القضايا الكبرى ويقترح السياسات العامة بقيادة دورية متفق عليها تصنع صورة جديدة للعمل التوافقي المشترك الذي يحرك الجميع في اتجاه تثبيت الثوابت ورعاية المصالح العامة للأمة.

 

كلمة الشيح محفوظ نحناح في الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة، مسرح الهواء الطلق 2001.

مجلة النبأ لسان حال حركة مجتمع السلم، العدد الخاص بالذكرى العشرين لحركة مجتمع السلم ماي 2011.
PAGE \* MERGEFORMAT 2