بقلم الأستاذ: حسين مغازي

 

   لا اعتقد ان عاقلا يؤيد الغش كوسيلة لتحقيق النجاح، ذلك ان السلوك السوي هو المعيار الحقيقي للشخصية السليمة التي تنشدها الامة في اجيالها القادمة، ومهما كانت المعوقات ليس امامنا من سبيل سوى مواصلة تصحيح المسار

والحقيقة التي باتت واضحة ان خللا كبيرا ظل ينخر السياسات التربوية لسنين خلت ومن بين هذه السياسات نظام التقويم

في الامتحانات المدرسية، اذ ظلت الامتحانات وسيلة من وسائل

السيطرة على الطلبة والتحكم في توجهاتهم وفق اطر وبرامج

معتمدة على سياسات تخدم توجها معينا لكل دولة ، واهملت جوانب كثيرة في شخصية المتعلم لم توضع في برامج التقويم ومنها الجانب الوجداني والسلوكي وهما الأكثر طغيانا في رسم كل شخصيةما جعل الطلبة يشعرون بالحيف والظلم وهضم حقوقهم في عمليات التقويم نتجت عنه ظواهر عديدة من بينها ظاهرة الغش التي هي امتداد ايضا لظاهرة العنف.

 

كثير من الطلبة يفشلون في تفسير تلك المفاهيم والظواهر والحقائق التي توضع امامهم وقت الامتحان متمثلة في مسائل

ونصوص يوعزهم فيها شرحها بواسطة الورقة والقلم ويعدون بعد من الفاشلين والراسبين الذي يوجهون الى الواقع المرير في سنّ مبكرة ، بينما هؤلاء الطلبة انفسهم يتميزون

بقدرة عالية على التعايش الطبيعي مع زملائهم وبقدرات كبيرة في التأثير والقيادة والاغلب هم المحبوبون بين زملائهم، ولم تمكنوا من النجاح لارتفعت نسبة الزعامة لديهم ولكسبت الامة رجالا بشخصيات قوية مؤثرة تعرف كيف تقود وكيف تجند وكيف تبني وهؤلاء هم الذين تنشدهم المدرسة والمجتمع معا، والسؤال الذي يبقى مطروحا لماذا فشل هؤلاء؟ ولماذا فشلت السياسات المدرسية من تصحيح الاخطاء في عمليات التقويم التي تسمح لهؤلاء بإبراز كافة قدراتهم العقلية وتهيئتهم للعب أدوار تناسبهم، واستيعابهم كأفراد مؤثرين قادرين على الامساك بزمام القيادة.

لماذا اهملت انظمة الامتحانات الجوانب السلوكية والوجدانية التي تسمح بإبراز كل جوانب الشخصية عند الطالب؟

لماذا بقي الجمود في اساليب الامتحانات هو السمة البارزة

طوال عقود وفي ظل تدني المستوى المعرفي للطالب وفي ظل تدهور الجانب الخلقي لدى السواد الاعظم لدى الطلبة ولم يحرك المعنيون ساكنا؟

الا ينبئ هذا بخلل كبير في انظمة الامتحانات وفي سياسات التقويم؟

اسئلة يتطلب الاجابة عليها من طرف المعنيين والقائمين على العملية التربوية والبناء عليها في وضعيات لتصحيح المسار.

 

الامتحانات التحريرية شبح يقض مضاجع الطلاب كلما أقترب موعدها يعمل في ظله كل مدرس، وكل مدير ويخاف منه المتعلم الصغير فكان مبعث هذا الشبح بأنه يترتب عليه نهاية مستقبل الطلبة وقد يكون عقوبة للمدير والاستاذ معا يترتب عنه احيانا التنزيل من الرتبة ..الخ من العقوبات الاخرى

مما سمح ايضا حتى للتربويين والمديرين الى انتهاج اساليب

أخرى من الغش تحقق لمدارسهم نسبا عالية من النجاح ما يجنبهم أيضا هذه العقوبات وتوبيخ الوصاية وحتى المجتمع.

 

ولهذا فإن أمر الامتحانات مبالغ فيه إذ صارت غاية الجميع و المسيطرة على أعمالهم ومشاعرهم وباتت الأسر اسيرة هذه الامتحانات تحولت الى شبح مخيف على مستقبل الابناء ما دفعهم الى تشجيع ابنائهم على الغش وهي نتيجة مؤلمة جدا حين تنخرط الاسرة في هذا السلوك المشين ومنهاتحولت المدارس إلى معامل لتخريج حملة الشهادات، وصب المعلومات في أذهان المتعلمين بالصورة التي يصلحون معها للمرور في هذه الامتحانات.

يذكر السورطي  في بحث:” السلطوية في التربية العربية” عن سلطوية الامتحانات في معظم المدارس والجامعات العربية باعتبارها الوسيلة الوحيدة في التقويم التربوي فهي تثير الرعب والقلق والخوف في نفوس وقلوب المتعلمين وبأنها رعب لا يقل عن الرعب السياسي والغذائي والعسكري وبأن أكثر من عشرة ملايين طالب عربي يتعرضون لهذا الرعب سنويا،ويكون ضحية هذا الرعب طلبة يتشردون وآخرون ينحرفون أو يهاجرون والبعض ينتحر و آخرون يتشوهون و بعضهم يصاب بالجنون و يؤكد أن التقويم في بعض البلدان العربية يستخدم و يركز على أسلوب الامتحانات، وخصوصا ما يتصل بقياس مدى حفظ المتعلمين للمادة الدراسية، كما أنه يركز على آخر العام أو نصف العام”


وبناء على هذه النتائج المرعبة جرّاء مواصلة منهجية الامتحانات التقليدية والتقويم التقليدي ايضا ، جاءت ردود

الطلبة في زمن الانفجار المعرفي باعتماد الغش كوسيلة للنجاح وكرسالة الى القائمين على العملية التربوية بانهم يرفضون هذا المنهج في التقويم وكنتيجة طبيعية عن الرعب

النفسي الذي تلحقه هذه الامتحانات بهم وردّة فعل قوية عن ديكتاتورية الامتحانات.


هذا الكابوس او هذا المسار الخاطئ الذي لم يعد يواكب متطلبات التحولات الكونية يجب ان ينتهي وعلى القائمين على رسم السياسة التربوية في بلادناوالاستعداد لمراجعة جذرية واعداد اطر جديدة لعمليات التقويم المدرسي مراعية في ذلكالجوانب النفسية للطلبة واشراك الاسرة في عملية التقويم كيف لاوهي الشريك الاول في كل المسار التربوي.

فألوان الربيع تزحف على مجتمعاتنا ولا نريد ربيعا يؤسس

لظاهرة الغش كأسلوب ناجع لتحقيق النجاح.