تعد شبكات التواصل الاجتماعي، بمختلف أطيافها، إحدى الأدوات الواسعة التي تمكن الإنسان من الوصول إلى أهدافه، فقد تطور أسلوب استعمالها من وسيلة بحث عن الأصدقاء، على المستوى الفردي، إلى استحداث صفحات لصالح المؤسسات على تنوع نشاطها، والتي ترى في هذا الفضاء الذي يتسع لكل شيء، ملاذا لها، نظرا لمزاياه وانعكاساته الإيجابية على الواقع المادي عند استعمال الفرد لهذه التقنية الموسومة بـ “العالم الأزرق” في شكله ومساره السليم، وعليه أجمع أصحاب المجتمع الرقمي على دورها الفعال في نشر ثقافة الوعي المجتمعي ومكافحة أنواع الآفات الاجتماعية التي تحاول بعض المنظمات زرعها في أفكار الشباب لهدم الأوطان، كما كان هذا الفضاء ملاذا للأدباء والمفكرين والشركات السياحية للتعريف بمنتجاتهم وعرضها في المتجر الافتراضي.

  • الرقمنة.. لتكريس الأمن والسلم الإقليميين

تسهر أسلاكنا الأمنية المشتركة على ابتكار الطرق والسبل وصيغ جديدة لترقية الأمن الاجتماعي، وانتهاج سياسة أمنية تبعا للتطورات الحاصلة على جميع الأصعدة، فالدوائر الأمنية الجزائرية في سباق مع الزمن، وهي تستعين في مكافحتها للجريمة المنظمة، ومحاربة المخدرات صانعها ومروجها ومتعاطيها، وكذا توعية الشباب المدمن على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي (الفيس بوك، التويتر، اليوتيوب) بوسائل اتصال حديثة، وتتابع بصورة مستمرة ما يبثه العالم الافتراضي لحظة بلحظة، ومعرفة ما يختزنه “رحم” الأنترنت من أفكار مختلفة.
وتحاول من خلال أدواتها المعرفية نشر ثقافة الوعي، وهذا ما تبرزه صفحاتها التي أنشأتها لهذا الغرض عبر الشبكة العنكبوتية، من منشورات تتضمن بين ثناياها جملة من القواعد، موجهة أساسا لاستقطاب عقول الشباب، ولجم “جموح ” أفكاره، حتى لا يقع في مطبات مستنقع الفساد الذي تبثه المنظمات غير واضحة المعالم، ومجهولة الانتماء التي تنشط في هذا الفضاء، والتي تهدف أساسا إلى تخريب الأوطان وإفساد عقول الشباب، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تقوم مديرية الأمن الوطني هذه الأيام بحملة ترويجية عبر قناة الأرضية للتعريف لمواقعها الإلكترونية، حتى تعم الفائدة أبناء الشعب الجزائري.

  • الفضاء الأزرق واجهة لاستعراض أمجاد الأمن الوطني ووسيلة لمكافحة الإرهاب

وبالعودة إلى القوانين التي تم المصادقة عليها مؤخرا في مجال مكافحة الجريمة الإلكترونية في الجزائر، لاسيما تلك المواقع التي لها صلة بالأعمال الإرهابية المستغلة من طرف مختلف التنظيمات الإرهابية العالمية، الناشطة عبر شبكة الإنترنت، خاصة وأن المشرع الجزائري تدارك هذا الواقع الجديد على المجتمع الجزائري، منذ أن ركزت الدولة على تطوير مجال الرقمنة بالوسائل التكنولوجية الحديثة، وتنظيم مجتمع المعلومات والتحكم فيه وضبطه.
وتقوم الأجهزة الأمنية بتسخير كافة أدواتها وأحدث وسائلها، من خلال توسيع دائرة نشاطاتها، لتشمل الفضاء الأزرق الذي بات وسيلة تستخدمها التنظيمات الإرهابية لاستقطاب الشباب عن طريق الإغراءات الواهية، لتثبيت نفسها في فكر الشباب الذي يعد جهاز المناعة للوطن.
ولا يتوقف عمل القائمين على تسيير صفحات ومواقع إلكترونية التابعة لمديرية الأمن الوطني عند حدود التوعية فقط، بل تعدت مهامه عبر هذا الفضاء الافتراضي، ليشمل استعراض دور الشرطة في ترسيخ ثقافة المواطنة، حيث يقوم “أدمن” الصفحات بنقل مجريات الأنشطة التي تقوم بها دائرة الأمن الوطني في مختلف في لمناسبات بنشرها على الفايسبوك حتى تعمم الفائدة، ومن جهة أخرى، وللتعريف بدور الشرطة في المحافظة على أمن وسلامة المواطن، ليس فقط بدنيا، بل يمتد إلى حماية فكره من “التلوث الإلكتروني”، وذلك من خلال إسهاماتها في ترقية الفعل الثقافي، بتنظيمها لفعاليات ثقافية، آخرها احتضان منتدى الأمن الوطني في طبعته الـ 111 لندوة إعلامية، بمناسبة اليوم العالمي للآثار، المصادف لـ 18 أفريل من كل سنة، حيث ذكر خلالها عميد الأول للشرطة اعمر لعروم، رئيس خلية الاتصال والصحافة، بالعناية الكبرى التي توليها المديرية العامة للأمن الوطني لحماية التراث الثقافي المادي واللامادي، الثابت والمنقول، والمغمور تحت المياه.
كما شاركت شرطة غرداية الكشافة الإسلامية الجزائرية الاحتفال بيوم العلم المصادف لـ 16 أفريل من كل سنة، وغيرها من الأنشطة المتباينة التي تنظمها هنا وهناك، وتنشر ليتابعها “الفايسبوكيون” عبر الواقع الافتراضي.
من جهتها، تقوم مصالح الدرك الوطني بنشر ما تنتجه من أعمال تعود بالصالح العام على المجتمع الجزائري في مجالها الواقعي، ونقله إلى الفضاء الأزرق، الغرض من ذلك إيصال نشاطاتها إلى أعمق نقطة في هذا الوطن، كما تقوم بنشر نشريات خاصة للمتربصين الجدد.
وفي مكافحتها للإرهاب، يقوم عناصر الدرك الوطني بنشر مختلف قطع الذخيرة الحية التي قامت بضبطها أثناء قيامها بدورها في تجفيف منابع الإرهاب، ووضع حد لتحركاته عبر ربوع الوطن، وحتى تعطي الصورة الحقيقية للعمل الجبار الذي يقوم به عناصر الدرك.
الأمر ذاته تبنته وزارة الدفاع الوطني بصفتها أعلى هرم في السلطة الأمنية بالبلاد، حيث قامت الأخيرة بفضح أساليب العدو عبر الفضاء الرقمي، وذلك بتطويقه ومحاصرته، وكسر شوكة الإرهاب الأعمى الذي يحاول ويتفنن في استعراض عضلاته، حيث تستخدم أجهزة الوزارة عبر الوسائل الإعلامية الرقمية وشبكة التواصل الاجتماعي على اختلافها (الفايسبوك، ناتلوغ، تويتر) لعرض مختلف أنواع الأسلحة التي تتوفر عليها، إلى جانب كشفها للأعداد اللامتناهية من الإرهابيين الذين قضت عليهم مفارز القطاع العملياتي في ربوع الوطن، كل هذا دليل قاطع على تجسيد المعنى الحقيقي ليقظة وفطنة أفراد الجيش الشعبي الوطني، الذي يسهر ويده على الزناد وعينه على الهدف وينبض بقلب رجل واحد، وفي قلبه حب الجزائر، مع إدراجها للعديد من الصفقات التي تبرمها الجزائر مع الخارج، وأنواع الطائرات الحربية والفرقطات البحرية عالية المستوى في مجال الحربية، كل هذا لتنوير الشعب الجزائري.
فحرصا منها على سلامة الوطن، تعمل عقيدة الدفاع الجوي الجزائري عن الإقليم وتدريباته لتطوير سبل التعامل مع هجمات جوية محتملة.
كما ترصد صفحات الفايسبوك التابعة للدفاع الوطني مختلف الزيارات التي يقوم بها نائب وزير الدفاع الوطني، الفريق قايد صالح التي تقوده إلى الدول الصديقة.

  • الجمعيات الخيرية الافتراضية ومساهمتها في خلق الوعي المجتمعي

هي أفكار تم زرعها في فضاء افتراضي، وحصدت ثمارها في الواقع المادي، وفي هذا الصدد، يقول أمين شايب المختص في الكوتيشغ وعميد الجمعيات الخيرية التي تنشط على الساحة الإعلامية الرقمية، إن العمل الجمعوي في الفضاء الافتراضي يسعى من خلال الأعمال التطوعية التي يقوم بها للوصول إلى تكريس ثقافة المواطنة، وخلق الوعي المجتمعي في الوسط الاجتماعي الافتراضي، وتطبيقه في الواقع المادي، عن طريق مد جسور التعاون على البر والتقوى، ونبذ الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، وليشمل المجال الإنساني عامة.
وفي هذا الإطار أوضح أمين شايب أشهر كوتشينغ في الجزائر في تصريحه لـ”الحوار” أن الجمعيات الخيرية ذات الطابع الاجتماعي والتي تنشط عبر هذه الشبكة لها دور فعال في إعادة فئة كبيرة من الشباب المغرر به إلى رشده وإدخاله في قارب النجاة، وإدماجه اجتماعيا، كما استطاع إقناع هؤلاء الشباب الذين مارسوا عن طريق الخطأ أعمالا غير مشرفة، توصلوا بنصائحه وحسن تدريبه لهم في ميدان الكوتشيغ إلى تكوين مؤسسات مصغرة وساهموا في بناء الاقتصاد الجزائري، وتحولوا بين ألفية وأخرى من معول هدم إلى أداة لبناء قواعد المجتمع، وكل هذا يتم عبر الفضاء الافتراضي.
من جهته، قال طارق رئيس جمعية “ناس الخير” العالمية “لقد هيأنا للشباب المراد إدماجهم اجتماعيا مناخا ملائما وبيئة ملائمة، وبينا لهم أن بناء الذات يكون بالإرادة القوية. مضيفا أن المشروع الخيري الذي تقوم به الجمعيات الافتراضية تطور بإيعاز من جزائريين متواجدين في الجزائر، أو في مختلف القارات الخمس”.

  • شبكة التواصل الاجتماعي “خط أخضر افتراضي” وملاذ المحتجين

يمكن اعتبار شبكة التواصل الاجتماعي بمثابة منظومة اجتماعية متماسكة تعيش ضمن فضاء جغرافي افتراضي، يعمل المتعاملون فيه على توحيد المجتمع، وجعل المبحرين فيه يعيشون داخل جدران بيت واحد، ويكوّنون بذلك عائلة كبيرة، وأضحى أفرادها يتضامنون فيما بينهم، ويسعون لنشر الخير والدعوة إلى مساندة المحتاجين، عن طريق السعي لنشر معاناة المرضى الذين يئسوا من تأمين مبلغ العمليات الجراحية، خاصة تلك التي يستدعي إجراؤها عمليات خارج الوطن، أو البحث عن الأدوية المفقودة.
وفي هذا الصدد، يقول الناشط “الفايسبوكي” إلياس حديبي صاحب موقع “الجزائر 24” وأدمن في صفحة “1 2 3 فيفا لالجيري”، “نحن شبكة اجتماعية تنشط على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، نؤمن بحقنا في استغلال فضاء الأنترنت، وفي توفير الخدمة العمومية بطريقتنا الخاصة، وإسقاطها على هذا الواقع، شاركنا في العديد من الحملات لفائدة المرضى، وتلك المتعلقة باختطاف الأطفال، حيث وصل مؤشر الوصول إلى الصفحة ما يربو عن 5 ملايين جزائري، خلال أسبوع واحد، وكان بروز قضية الطفل ياريشان الهزة التي حركت رواد مواقع التواصل لمتابعة الصفحة، حيث كان لنا شرف العثور عليه”.

  • الفضاء الافتراضي …دار نشر من لا دار له!

وفي هذا الإطار، قال الكاتب والإعلامي يوسف شنيتي في حديثه لـ”الحوار”، إن الكتابة الخالدة لا يكفيها التشويق بل التسويق ضروري..
“فأي كاتب على وجه الخصوص، وأي مبدع على وجه العموم، إلا ويبحث عن هتاف المجد، والمجد هنا هو الذيوع والانتشار والتوسع بكافة الوسائط من أن أجل بلوغ هذه الغاية، وما جدوى الإبداع -يقول يوسف- إذا كنت محاصرا بين جدران وسقف، أو أن ينسخ الخطاطون ما كتبت ويرسلوه إلى مختلف الأمصار، مثلما كان يحدث في العصور الأولى، ولا يتحقق الانتشار ولا تصل الأفكار ولا المعاني ولا الجمال إلاّ متأخرة بقرون، وربما أنصفك الدهر وربما حزن لذلك المحزونون؟”.
وواصل يقول “الكاتب ابن عصره، والكتابة الخالدة لا يكفها التشويق، بل لابد من حسن التسويق، والوسائط الإعلامية والتكنولوجية وفضاءات التواصل الاجتماعي أعظم أداة للترويج والاستقبال والحضور، لم يعد الزمان أحادي البعد يضيف ذات المبدع، والحياة كذلك، والكاتب لا يكفيه الحبر والأوراق والنشر الكلاسيكي، بل لابد من المدونات والنشر الإلكتروني والفضاء الأزرق “الفايسبوك” والأخضر “تويتر”، وفضاءات أخرى، مما يسمح للكاتب أن ينتشر ويوصل رسالته وإبداعه بمختلف اللغات والأشكال التواصلية، بل قد يعثر على ناشر جيد ومترجم في أي بلد من الدنيا، ويسيح في الأرض بغير تذكرة أو حدود ومتاريس، التاريخ يكتبه العظماء، وما الآخرون إلاّ في مصاف الشهود، بتعبير الفيلسوف المؤرخ ألكسي كاريلي، وربما من البطولة أن يجيد الكاتب إدارة أعماله من خلال نشر صور كتبه وأغلفتها والترويج لها، وتفعيل ذلك مع الجمهور، حتى بنشر فصل منها مع احترام القوانين الضابطة للملكية بهذا الخصوص، فأنا من أنصار النشر الإلكتروني والتفاعلي، واطلاع الجمهور عبر الفضاء الأزرق، لأن المنتوج الأدبي هو حق الناس أيضا، بعد أن يولد من رحم المبدعين”.
وعلى صعيد مماثل، قال الشاعر ياسين عرعار، إن النشر الإلكتروني بات أمرا ضروريا في ظل المشاكل التي تعترض المبدعين في جميع المجالات، وغلو بعض دور النشر في فرض قيودها على الأدباء والشعراء الجدد.

نصيرة سيد علي