باريس: بوعلام رمضاني
كتبت قبل أسبوع تقريبا عن فيلم “حظ سعيد الجزائر”، للمخرج فريد بن تومي، مفندا خطاب أشهر المثقفين الفرنسيين الإعلاميين الذين وصفهم باسكال بونيفاس بالمزيفين في كتاب حمل العنوان نفسه، وهو الكتاب الذي نشرته دار “هيغو أند كو” المجهولة بعد أن رفضته 14 دار نشر من العيار الثقيل، ومن بينها تلك التي يعد فيها “الفيلسوف التلفزيوني” برنار هنري ليفي ووزير الثقافة الحقيقي وغير المعلن وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة على حد تعبير الممثل الكاميروني الأصل ديودونيه الذي شرفني بمقابلة في مسرح لامان دور ـ اليد الذهبية ـ قبل أن يضرب عليه الحصار السياسي والإعلامي المستمر حتى هذه الساعة بسبب معاداته اليهود والتحالف مع اليمينيين المتطرفين والإسلاميين بحسب زعم قبيلة ألان فينكلكروت وإريك زمور ومعظم المثقفين الفرنسيين. فرنسا الإنسانية والتاريخية السخية وغير العنصرية تنتصر سينمائيا للمرة الثانية ضد الحاقدين على الإسلام ثقافة وحضارة وليس دينا فقط وـ المتاجرين به في زمن إرهابي يفسر ويحلل بمنطق الأقوى عالميا والأكثر بطشا ـ هي فرنسا فاطمة الخادمة المغربية المسلمة والمعربة التي صنعت الحدث قبل ثلاثة أيام في مسرح شاتليه في ليلة أولى من نوعها في تاريخ احتفالية جوائز “لي سيزار “التي تقدم لأكثر الممثلين والمخرجين موهبة وخصوصية وإبداعا خلافا للدوي الإعلامي الذي عم العالم وغطى المعمورة الإنسانية ضجيجا إثر الهجمات الباريسية الإرهابية التي ـ ألصقت بشبان نسبوا لأصلهم الديني والعرقي وليس لهويتهم الفرنسية الخالصةـ ، لم يلتفت الإعلام الفرنسي بالقدر المماثل إلى فاطمة الخادمة الحقيقية التي أذهلت الحضور في ليلة سينمائية حالمة لم يكن بإمكانها أن تتحول إلى حدث لولا حضور صونيا زروال التي تقمصت بعفوية وشفافية شاعرية مدهشة دورا ينطق بإنسانية فذة وبأخلاق عالية وكرامة وعزة نفس وصدق وأنفة رغم أنها ليست ممثلة محترفة ولا هاوية ووقفت أمام الكاميرا لأول مرة في حياتها. وأسكتت فاطمة عنصريي فرنسا ليس باعتبارها خادمة منزلية تكد في الليل والنهار فحسب بل كأمينة على المجتمع التي تجهل لغته وثقافته الأمر الذي مكنها من التواصل معه أخلاقيا وحال دون وقوعها في فخ الفرنسية المتعجرفة التي حاولت اصطيادها كسارقة ولجأت إليها ليس حبا فيها بل في عرقها الرخيص كما تشهد على ذلك مطارات ومحطات قطار فرنسا المتاجرة هذه الأيام بمهاجريها يمينا ويسارا. الفيلم الذي هاجمته الصحافة اليمينية التي يكتب فيها إريك زمور المولود في الجزائر لم يكن حدثا تاريخيا وإنسانيا وردا قاسيا وقاضيا على أمثاله الخائفين من غزو المهاجرين المسلمين فحسب بل كان أيضا عبرة لمثقفين تخصصوا في التنظير لمفهوم الاندماج المرادف للذوبان من منطلق استعماري جديد يرضى أصحابه بالتنوع الثقافي والحضاري بين أبناء مللهم الأوروبية ويرفضوه حينما يتعلق الأمر بملة فاطمة المتحجبة والمعربة التي لم تسرق ولم ترهب أحدا وراحت تتعلم لغة فولتير وموليير وأنبياء فلسفة الأنوار رغم قساوة حياتها ومعاناتها مع ابنتها الصغرى التي قدمها المخرج فوكون برمزيتها المشيرة إلى الرأي العام الفرنسي الغالب الذي يرى اليوم في كل متحجبة عقبة أمام الاندماج. بهذه الطريقة يكون فوكون قد طعن في تنظير المثقفين المخمليين الذين يفسرون الإسلام بازدواجية خبيثة عرتها فاطمة الخادمة التي أعطت درسا في الاندماج الاجتماعي والإنساني متجاوزة عائق اللغة الفرنسية الذي لم يمنع الإخوة كواشي من ارتكاب جرائم مرعبة يندى لها جبين الإنسانية باسم إسلام فاطمة الخادمة السلمية والمسالمة غير الإرهابية. فيلم فاطمة الذي استوحاه المخرج فوكون من ديوان شعري وليس من قصة ولا رواية لفاطمة الأيوبي يصلح كدرس لكل عنصريي فرنسا ومن بينهم أولئك التابعين لقبيلة الفيلسوف ألان فينكلكروت الذي دخل مؤخرا الأكاديمية الفرنسية والشقي الحزين بسبب المهاجرين الذين شوهوا حضارة فرنسا في تقديره. فاطمة الخادمة المسلمة والمعربة لم تقبل بتشويه لغة فينكلكروت وراحت تتعلمها دون عقدة للتواصل مع المجتمع الذي تعيش فيه بشكل طبيعي كما شهد على ذلك الملايين من الفرنسيين الإنسانيين مرتدية حجابها الذي لم يربطه المخرج العظيم فيليب فوكون بالإسلام الراديكالي المرادف للإرهاب والتزمت والانغلاق في كل الحالات كما يريد كبار المثقفين الفرنسيين إظهاره للعالم لغاية تكشف أكثر من أي وقت مضى عن حقد حضاري وتاريخي حيال دين معين دون سواه. اللغة العربية التي كتبتها فاطمة على سريرها مفجرة أوجاعها وآهاتها ومحنتها تعبيرا على تمزقها النفسي والثقافي لم تكن حاجزا أمامها للانسجام ولو بصعوبة مع مجتمع يجب تعلم لغة سكانه بغرض التواصل معهم وتجنب شرهم وليس للذوبان فيهم بالشكل الذي يقضي على ذاكرتها. من هذا المنظور تستحق هذه الممثلة تحية تاريخية غير محدودة لأنها لم تكن خادمة للمجتمع الفرنسي الذي تعمل فيه وللمجتمع العربي والإسلامي الذي تنحدر منه فحسب بل كانت خادمة للإنسانية السمحاء الرافضة لكل تمييز بشري باسم اللغة والعرق والدين، ولم يكن ذلك ممكنا لولا مخرج فرنسي إنساني سبق وأن تنبأ في فيلم “الانشطار” بانتقام شبان منحدرين من أصول عربية على مجتمع لم يعاملهم كأبناء حقيقيين.