بقلم/ عماد بن عبد السلام

لإمام الجزائر في القرن الميلادي السابق، مكانة عظيمة في أنفس الجزائريين، فهو مجدد العلم والفكر، فالرجل أوقف حياته لثلاث. يقول ((أنا أعيش للجزائر والعروبة والإسلام))، لكن الأمر الذي حيرني وأرقني كثيرا هو ما صرح به كاتب فيلم ابن باديس الأستاذ رابح ظريف في حواره مع جريدة “الخبر” الجزائرية أن الفيلم سيكون دراميا وأن ابن باديس ليس سلفيا بل كان موسيقيا ومسرحيا بدعوى أن هذا الشق من حياته لا يعرفه أبناء الجيل الصاعد.

فالكاتب بدل أن يصور لنا فيلما تاريخيا يبرز حقيقة ابن باديس وما قام به من جهاد علم وتعليم وتوعية شعب استدمر أكثر من قرن وربعه وجُهّل طول هذا الزمن. وخاصة بعض المحطات التاريخية في حياته كالتقائه لأول مرة بالابراهيمي في المدينة 1913 ومحاولة اغتياله من طرف الصوفي ابن عليوة المستغانمي سنة 1925 وإنشاء جمعية العلماء وترأسه لها سنة 1931 والمؤتمر الإسلامي وكيف حضر له وكيف شارك فيه سنة 1937 وعلى ماذا دافع يومها، إبراز عقليته السياسية التي اتخذها في مقارعة فرنسا، إظهار اجتهاده الديني والسياسي، وكذلك قضية اليهود والقسنطنيين وكيف تدخل لفض العراك … لا شك أن بعض هذه المحطات قد أحاط بها زمان ومكان وعوائق وتطلعات… مع إبراز حقيقة المستدمر الفرنسي يومها وإظهاره في صورته الحقيقية أنه كان وحشا أتى على الأخضر واليابس في الجزائر وغيرها… لست هنا لأدَرِّس كاتب الفيلم أوأحاضر له، وإنما من باب التذكير الذي ينفع المؤمنين.

لكن الذي صرح به الأستاذ الكاتب للفيلم، فقد صور لنا أن ابن باديس كان شابا مراهقا يضرب الزرنة والسنيترة ويحب الغايطة وخشبة المسرح!!! وإنه مهووسا بهما، فمن الظلم بمكان أن نهتم ببعض القضايا الصغيرة جدا التى لا تكاد تذكر ونصور من أجلها فيلما تاريخيا… هذه القضية التي لم يهتم لها كبار العارفين بتاريخ الرجل مثل طلابه ولا حتى الأستاذ الدكتور عمار طالبي الجامع لأثاره … هاته القضايا التي لم يؤلف ويكتب فيها حتى الشيخ ابن باديس نفسه وآثاره بين أيديكم.

هاته القضايا نخسر من أجلها وقتا ونبدد من أجلها أموالا، بل ولا نستفيد منها كبير فائدة… وندخل في بعض قضاياه الشخصية المتعلقة بطلاقه من زوجته … ونصوره للعالم العربي والإسلامي وللأجيال في صورة سوداء… بأنه رجل درامي مسرحي ليس قائد أمة.

والسؤال المطروح: لماذا لم يركز على حقيقة دعوة ابن باديس وذهب ليفتش ربما في أمور لا تمثل على الأكثر 5 بالمائة من حقيقة حياته، كما أنه لم يعرج على حقيقة صراعه مع الطرق الصوفية وحقيقة دعوته السلفية.

منذ 1999 زاد تدعيم الطرق الصوفية أكثر فأكثر على حساب علماء الجمعية التاريخية، ومن آثار حربها أن تراث الجمعية مهمش في مؤسساتنا التربوية وكثير من مساجدنا وجامعتنا اليوم، حتى أنَّ أبناءنا في المدارس لا يعرفون من ابن باديس إلا يوم 16 أفريل (!).

وفي ظني، والله أعلم، سبب عدول صاحبنا السيناريست عن تعريجه عن صراع ابن باديس بالصوفية وحقيقة دعوته السلفية هو حتى لا تنزعج الطرق الصوفية الحالية لأنه لها تأثير كبير ودرع سياسي متين.

ولما كان معاصروه من العلماء هم أدرى به وبحاله وأدرى بمذهبه وطريقته من غيرهم من الذين يأتون بعدهم، فأسوق جمل من كلام العلماء أبين فيها بحق وصدق أن ابن باديس كان رجل علم ودين وفقه وسنة وسلفية وسياسة شرعية …

أ- من داخل الوطن

1/ أبدا برفيق دربه ونائبه في الجمعية ومن خطط معه في المدينة المنورة لكيفية النهوض بالمجتمع الجزائري وتحريره من أغلال الاستعمار والجهل، يقول الشيخ الإبراهيمي ((باني النهضتين العلمية والفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، إمام الحركة السلفية، ومنشئ مجلة “الشهاب” مرآة الإصلاح وسيف المصلحين ومربي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدي المحمدي وعلى التفكير الصحيح، ومُحيي دوارس العلم بدروسه الحية، ومفسر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة وملقن مبادئها، عالم البيان وفارس المنابر، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لـ”جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وأول مؤسس نوادي العلم والأدب وجمعيات التربية والتعليم، رحمه الله ورضي عنه))- آثار الابراهيمي (3/552)

2/ الشيخ أبو يعلى الزواوي رحمه الله

قال معترفا ومصرحا بقيادة الشيخ عبد الحميد للدعوة السلفية ((وعرفتُ بظهر الغيب الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس المشرف على الشهاب أنه قطب دائرتنا السلفية))-الشهاب المجلد 2 الصفحة 768، وقال عنه أيضا((ولهذا صرت حليف مجلته وحزبه السلفي الإصلاحي ولا مزية لي))- الشهاب المجلد 3 الصفحة738

3/ قال الشيخ العربي التبسي((إذا مات ابن باديس فإن العلم لم يمت، وإذا سقط في الميدان فإن فيه بقية من رجال سيحملون راية الإصلاح والكفاح)).

4/ قال الشيخ مبارك الميلي ((سمعت لدى وصولي إلى قسنطينة بموته شعرت أن الدورة الدموية أصبحت تسير في عكس الاتجاه المعهود، وعرفت في الحين أن داء السكري عاودني وأنه لن يفارقني حتى يقضي عليّ)). وقال أيضا عندما إنتهى إلى قبره: ((نم هنيئا مطمئنا، فما غرست سينمو ويثمر، فقد تركت بعدك رجالا وإخوانا، وتلاميذ يجددون لك العهد اليوم بأنهم سيواصلون الكفاح ويستمرون في السير على النهج الذي تركتم)).

5/ قال الأستاذ توفيق المدني، في كلمة إهداء التي توج بها كتابه (عثمان باشا)، قال ((إلى الرجل الذي أيقظ أمة وأنشأ جيلا، وربط بين ماضي الوطن وحاضره، وهيأ له مستقبله، في ميدان العلم والشرف، فكان شخصه الكريم نقطة اتصال بين الجزائر الغابرة الماجدة، والجزائر الحاضرة المجاهدة، والجزائر المقبلة الخالدة!)).

6/ قال الأستاذ محمد الصالح رمضان ((وكأن صوت إمامنا ما يزال يرن في أذني حين إملاء هذه الدروس بالجامع الأخضر، وقد حذا فيها الإمام حذو السلفية الرشيدة من اعتماد كتاب الله والصحيح من سنة رسول الله))- مقدمة كتاب العقائد الإسلامية  لابن باديس.

7/ وقال الدكتور عمار طالبي جامع إثاره ((إنه شخصية عجيبة، مجددة للنفوس البالية، والباعث للضمائر الخامدة والقلوب الهامدة، باعث للعلم، محرك للعقول، مرجع الثقة للناس، زارع بذور الثورة، مشيع فكرة الحرية، مبين المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، فانكشفت به الغياهيب الدكناء، وانجابت الغيوم الكثيفة والضباب العاتم من سماء الجزائر، واستمرّ يواصل النضال العلمي والاجتماعي والسياسي: يّعلم ويرشد ويعظ ويحرر ويتنقل ويتعبد ويتأمل ويحقق، لا يهدأ له بال لا بالليل ولا بالنهار… إن الشخ ابن باديس أمّة وحده، استطاع بمفرده أولا، وبمساعدة إخوانه من العلماء ثانيا)).

ب- من خارج الوطن

أثنى عليه جمع من علماء عصره وخاصة الذين قرضوا كتابه (رسالة جواب سؤال عن سوء مقال)، أنظر كتاب “الصراع بين السنة والبدعة ” للشيخ أحمد حماني (1/80).

8/ ومنهم شيخ الإسلام المالكي محمد الطاهر بن عاشور، قال فيه ((العالم الفاضل، نبغة العلم والمجادة وقريع التحرير والإجادة ابننا الذي افتخر ببنوّته إلينا سيدي عبد الحميد بن باديس)).

9/ ومنهم الشيخ محمد الصادق النيفر، قال ((الابن الروحي والأخ النصوحي، العلامة المدقق ومن هو بكل فضيلة متصف ومتعلق، وعمدة المغرب الأوسط والصاعقة على الدجاجلة الطراريس، الأستاذ سيدي عبد الحميد بن باديس، أتحفه الله بكل فضيلة وأزاح بعلومه وتحريريراته كل رذيلة)).

10/ أمير البيان شكيب أرسلان ((وأما (تاريخ الجزائر) فوالله ما منت أظن في الجزائر من يفري هذا الفري، ولقد أعجبت به كثيرا، كما أني معجب بكتابة ابن باديس، فالميلي وابن باديس والعقبي والزاهري حملة عرش الأدب الجزائري الأربعة)).

11/ الشيخ العلامة تقي الدين الهلالي المغربي، قال ((قام المصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس سليل البطل المغربي المجاهد المعز بن باديس، فرأى البلاد مظلمة الأرجاء متشبعة الأهواء دوية الأدواء يحار فيها اللبيب وتعضل بالحكيم، فشمر عن ساعد الجد وقيض الله له أنصارا أطهارا أبرارا آزروه ونصروه، فبدِوا عملهم وصدعوا بما أمرهم الله ورسوله به ومر عليهم طور فتنوا كما فتن المصلحون من قبل وثبتهم الله بالقول الثابت حتى اقتحموا العقبة الأولى، وهي أصعب العقبات وأخذت دعوتهم تؤتي أكلها وأينعت ثمارها ودنا جناحها، وفي أثناء ذلك ورد عليهم الأستاذ السلفي الداعية النبيل الشيخ الطيب العقبي…)) إلــى أن قال ((بدأ السلفيون عملهم الكتابي بمجلة الشهاب المجاهدة الصابرة، وأنشأوا بعد ذلك صحفا أخرى قضيت عليها الدسائس، ولكن كلما غاب منها كوكب أضاء مكانه كوكب آخر..))- البصائر السنة الأولى العدد(29)، الصفحة (2).

12/ الشيخ العلامة محب الدين الخطيب، قال في مقدمة تحقيقه لكتاب العواصم من القواصم لابن العربي، والذي إعتمد فيه على تحقيق ابن باديس ((التي وقف عليها الأستاذ عالم الجزائر عبد الحميد بن باديس رحمه الله)). وجاء في مجلة الفتح (رسالة جواب عن سوء مقال) تحت هذا العنوان نشرت صحيفتنا مجلة الفتح [التي يشرف عليها محب الدين الخطيب]، وهي لسان العلماء الأزهريين مايــلي:

((جاءتنا من المغرب الأوسط رسالة نافعة إن شاء الله ألفها العلامة السلفي الشيخ عبد الحميد ابن باديس من كبار علماء المصلحين في الديار المغربية، أجاب فيها على سؤال قدم إليه من أحد الغيورين على صفاء الدين الإسلامي))- أنظر”الصراع بين السنة والبدعة” لأحمد حماني 1/110.

رحمة الله على العلامة الفهامة الإمام ابن باديس، فقد كان أمة لوحده ودخل التاريخ من أوسع أبوابه، وكان أديبا عالما فقيها داعيا إلى الله على بصيرة وصمام أمان للهوية الجزائرية.