» أعمدة » من يتحمل تكاليف حرب المساجد؟

من يتحمل تكاليف حرب المساجد؟

26 مقال
منذ سنتين حجم الخط طباعة |

 

وأخيرا اعترف ممثل الحكومة، أن المساجد الجزائرية تعيش بعيدا عن المجتمع، وأن الأئمة قد تجاوزتهم التحولات الجارية، وأنهم غير قادرين على تلبية حاجات خمسة عشر مليون مواطن، ممن يرتادون المساجد يوميا، فقررت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إعلان حرب تطهير المساجد، وهو الأمر الذي رفع من سقف الاعتراف الخطير، ليجعل المجتمع يواجه اليوم خطرا كبيرا يتمثل في (أعداء المرجعية الوطنية)، فمن هؤلاء دعاة الظلام؟ ولماذا فشل الأئمة في مواجهتهم؟ وأين كانت السلطة عندما سرق دعاة الظلام المساجد منها؟ وهل يمكن للسلطة أن تستعيد ما سرق منها؟

في أول إجراء لمواجهة الخطر الدهم، المتمثل فيما تسميه بـ (أعداء المرجعية الوطنية)، قررت السلطة (الوزارة تقوم حاليا بمنع كل الأئمة المتطوعين من ممارسة نشاطهم دون الحصول على رخصة مسبقة من الوزارة، وذلك بهدف الحفاظ على مرجعية الخطاب المسجدي في الجزائر) بهدف تحصين سبعة عشر ألف مسجد، من هذا الخطر، ولتتحكم في أكثر من خمسة عشر مليون فقط من المواطنين، لتبقى ثمانية عشر مليون مواطن في قبضة (دعاة الظلام)، والحديث عن المساجد يتضمن اتهاما خطيرا للجامعات بأنها تنتج (أعداء المرجعية الوطنية)، وهذا الاتهام يفرض انتفاضة قوية في الدول الحديثة، كون الأمر يتعلق بالأمن القومي، ويمس أهم المؤسسات الاجتماعية، التي تشكل أعمدة الدولة، فإذا كانت الجامعة تنتج (أعداء المرجعية الوطنية)، الذين يهددون الأمن القومي ويدمرون الوحدة الاجتماعية، ويخربون النسيج الفكري للمجتمع، فلماذا لم تتفطن السلطة إلى هذا الخطر؟ وهل يمكن أن تسارع إلى حماية المجتمع، من هذا التهديد الذي اكتشفته إحدى وزارات حكوماتها.

طبعا هذه التصريحات، جاءت نتيجة ارتفاع سقف الضغوطات المتراكمة، زيادة على إحراجات المواعيد القادمة، وهو يعنى أن السلطة تعترف بأنها تفقد يوميا، في زمن الديمقراطية، المزيد من المنابر التي يمكن لها أن تتحدث مع المواطنين، ووفق الإحصائيات المتوفرة، فإنها لا تمتلئ المساجد إلا مع نصف المواطنين، وحتى هذا النصف اعترف ممثل السلطة، لا يقدم لهم الأئمة شيئا، أي أنهم لا يقدمون خطابا تتباه السلطة، وهم عاجزون على تقديم خدمة روحية أو اجتماعية أو ثقافية للمجتمع، وحالة فقدان السلطة للمساجد، سبقتها من قبل الكثير من المنابر.

على مستوى آخر، فإن الحقيقة التي لم يكشف عنها من أعلنوا عن اكتشافهم الخطر الداهم، الذي يهدد المجتمع، أن (أعداء المرجعية الوطنية) هم أتباع التيار الوهابي المعروف (بالوهابية) التي يتكاثر أنصارها، وتتوسع دوائر أتباعها، ويزاد خطابها قوة واستهلاكا، وهو الأمر الذي يرعب هؤلاء، ويجعلهم في حيرة من أمرهم، وقد سبقت العديد من الشواهد التي وجدت السلطة نفسها عاجزة عن مواجهتها، فقد رفض عدد من هؤلاء الوقوف إلى النشيد الوطني، ورفضوا احترام الشهداء، وهذا الخطاب يستهلكه أكثر من نصف المواطنين، انطلاقا من المساجد الرسمية المعتمدة، وهذا الخطاب الذي يسوقه (أعداء المرجعية الوطنية)، تنتجه الجامعة والحل حسب السلطة، يأتي ابتداء من الموسم الجامعي المقبل سيتم إدراج تخصص الإمامة من أجل الوصول بالإمام المتخرج إلى درجة يصبح الاعتماد عليه مستقبلا في الحفاظ على المرجعية الدينية، فهل يمكن أن ينجح هذا القرار في مواجهة (أعداء المرجعية الوطنية)؟

وإذا كان القرار اليوم، هو المراقبة الإدارية، فكيف يراقب هؤلاء؟ هل على المستوى الفكري أم السلوكي أم على مستوى القناعات؟ وبدل من المراقبة التي يفكر فيها هؤلاء ولا توجد إلا في أذهانهم، ولا مكان لها في المستوى المعيشي، بفضل سطوة التكنولوجيا،  والملفت للانتباه أن نجد اليوم من ممثلي السلطة، من يتحدث بذهنية أزمنة الحزب الواحد والسلطة المطلقة ينتمون في الأخير، إلى أزمنة ليست بهذا الزمان، والذي لا يعلمه هؤلاء أن أغلب (أعداء المرجعية الوطنية) يمسكون بمفاصل إدارة المؤسسة المسجدية.

ومن يعرف خبايا معاهد تكوين الإطارات الدينية، التي تنتج أقل من ثلاثمائة إمام في السنة، يعرف جيدا أن هذه المعاهد تعيش في أزمنة أخرى، وتكرر أدبيات قرون بعيدة دون أن تتم عمليات تحيينها، ولا استقدامها إلى هذا العصر، فهي أقرب إلى مواقع تاريخية ومعالم تراثية، والأهم من ذلك أنها مفصولة تماما عن التاريخ، وتعيش في مناخات الماضي، والغريب في الأمر، أن هذه المؤسسات مجهولة عند المجتمع، ولا يسمع بها أحد، وينعدم حضورها الاجتماعي والثقافي في الحياة، كون الأمر يتعلق بمنظومة تكوينية لا تنسجم مع المجتمع، ولا تملك قدرة على الرؤية وغير قادرة على استيعاب مستجدات المستقبل، وهو ما يجعل الأمر في غاية الصعوبة، لأن هذه المؤسسات غير منسجمة مع نفسها، ومتنافرة مع محيطها، والمشكلة تكمن في الذهنية المؤطرة للمضمون المعرفي، المقدم والرصيد الحياتي المروج.

وإذا كان هذا هو الخطر الداهم، لماذا تم اتخاذ هذا القرار بدون يفتح الملف على النخب الوطنية، وإشراك الخبراء وممثلي الرأي العام، باعتبار أن الأمر يتعلق بالمجتمع، وهو ما يستوجب فتح أبواب الحوار وتأسيس فضاءات النقاش، كما يحدث في مختلف القطاعات الأخرى، حتى يتمكن المجتمع من معرفة ما يهدده من أخطار، ويستعد من خلال التفكير فيها والإحساس بأهميتها، لكي يبحث ويبدع من الوسائل والإمكانيات ما يحميه منها، ويكون على دراية بالتكاليف التي تتحملها هذه المخاطر، وأين هي الجهود التي يفترض أن تنصب حول إعادة بعث المذهب الفقهي الاجتماعي المعتمد، ولماذا غابت كل محاولة واندثر كل مشروع من أجل تحيين المذهب المالكي وتحويله إلى أداة عصرية لتفعيل اللحمة الوطنية، كما كان من قبل وكما فعل الآخرون في بقية المجتمعات.

ولا ندري، لماذا يطلق ممثلو السلطة اليوم هذه التحذيرات، ويشنون هذه الحملات، ويوزعون هذه الاتهامات، هل لأن الأمر مرتبط بمخاطر مهدد للمجتمع، والتي يتكتم عليها هؤلاء، والأفضل أن يعلنوا عنها ليعرفها المجتمع، ويستعد لمواجهتها وتجنب مخاطر، وهل عجزت السلطة إلى هذا الحد لمواجهة خطر (أعداء المرجعية الوطنية)، الذين تنتجه الجامعات التي أصبحت حسب أصحاب المؤسسة الدينية، المنبر الذي ينتج العدو الشرس للمجتمع، أم أن الأمر مجرد صراعات خفية بين المؤسستين، اتخذت من (أعداء المرجعية الوطنية) شعارا لها، وبالذات في المرحلة الراهنة، وإذا كان الأمر كذلك فهل تسمح الظروف الراهنة، بإعلان مثل هذه المعارك ومن المستفيد منها؟ ولمصلحة من تتم هذه المعارك؟.

إن المؤسسات الدينية في العالم العربي اليوم، خاصة بعد التحولات الجارية تحولت إلى وسيط اجتماعي، ومنبرا للاقتراحات والآراء والأفكار الجديدة، المساعدة على تجسيد الانسجام الاجتماعي، وكلنا يتذكر وثيقة الأزهر، والدور الذي يقوم بها في المشهد المصري، بداية من المستويات الدينية وصولا إلى الأدوار السياسية، وهو الأمر نفسه الذي تقوم به المؤسسة الدينية في تونس والمغرب، وغيرها من الأوطان العربية والإسلامية، مما يجعلها اليوم المؤسسة الاجتماعية المستأمنة على القيم، والحاضنة للرأسمال الاجتماعي، والمساهم في تجسيد الانسجام، والتفاعل الايجابي بين مختلف المكونات الفاعلة، والقوى الحية في المجتمع.

نشر