» أعمدة » يَــنَّايَـرْ لا فلاحة لا بْحَايَــرْ

يَــنَّايَـرْ لا فلاحة لا بْحَايَــرْ

علي خفيف

60 مقال
منذ أسبوع واحد حجم الخط طباعة |

من الأمثال الشعبيّة التي حفظتُها عندما كنت صغيرا: “ينّاير لا فلاحة لا بـْحاير”.. وهو مَثَلٌ يُرَدَّدُ في الأوساط الفلاحيّة، للدّلالة على أنّ الجوّ في ينّاير ماطرٌ وباردٌ جدا، ولا يـُمكن للفلاح أن يـُمارِس مهامَه الفلاحيّةَ أثناءه، أو يـَخرُجَ إلى “لَبْحيرة” التي هي الحقل أو الأراضي الفلاحيّة.. أذكر أنّنا كنّا نـحتفل بـ “ينّاير” سنويّا، ونسمّيه “راسْ العام” وكانت جدّتـي رحمها الله، وبعدها أمّي، تـُحضِّرُ لنا عَشاءً خاصّا نذبَحُ فيه “دْجاجْ عرَبْ” الذي يُربـّى في الـحضائر الشعبيّة.. وكانتْ العائلات في اليوم الذي يلي ليلة عشاء ينّاير تَطبَخُ في الغداء أُكْلَةً تسمى “الشّرْشَمْ” وهو القمح الذي يتمّ سلقُه في القدر دون أن يُطحَن، وأحيانا يضاف إليه الـحمص أو الفول أو كلاهما معا، ولما ينضج يتناوله أفراد البيت، ويتـم تبادله مع الجيران في جوّ طقوسيّ يـُمثّل جزءا من الاحتفال، حيث يـمكن أن تكون دلالة “الشّرشم” هنا هي التفاؤل بأن يكون العام الفلاحي الجديد “عام صَابَة” كما يقولون في التعبير الشعبي، أي أن يكون العام الـجديد مليئا بالـمـحاصيل الزراعيّة بـمختلف أنواعها من قمح وفول وحـمص.. وهي البقوليّات التي كانت تُشكّل الأمن الغذائي الرئيسي للجزائريين .. وقد تكون كلمة “الشَّرشَمْ” كلمة أمازيغيّة الأصل في بيئتنا التي تكثر فيها أمثال هذه الكلمات..فالاحتفال بـ”ينّاير” إذن ليس أمرا جديدا على الجزائريين، ولا بدعةً من البدع الجديدة، ولـه دلالة على الطبيعة الاقتصاديّة والجغرافية والأنثروبولوجيّة للمجتمع الجزائري، ولـم تكن له أبعاد وأهداف إيديولوجية أو عنصريّة..

تابعْتُ جُلّ النّقاشات التي دارتْ حول ترسيم ينّاير عيدا وطنيّا رسـميّا لرأس السّنة الأمازيغيّة، كما تابعتُ جُلَّ النّقاشات التي صاحبتْ فعاليّات الاحتفال الرسـمي بالـمناسبة لأول مرّة، ويـمكنني القول بأنّ هذه النّقاشات كانتْ ?في مجملها- مفيدةً ومسؤولة، لأنـها تساهم في تأكيد اللّحمة الوطنيّة للـجزائريين،..إلاّ في بعض الـحالات التي عبّر فيها بعضهم عن ضيق الأفق، وروح الإقصاء، وعدم القدرة على تمثّل الاختلاف الإثني واللسانـي الموجود في الـمجتمع الجزائري، والذي يعدّ عامل قوة وثراء وتنوع، ولا يـمكن أن يكون عامل تـهديد أو هدم أبدا..فلا أحد يـُمكنه أن يطلبَ من أحد أن يتنازلَ عن هويّته..لقد ظلَّتْ الأمازيغيّة إحدى الـمكوّنات الرئيسيّة للأمّةِ الجزائريّة عبر تاريخها الطويل، وظلّتْ حاضنةً للإسلام، ولم تكن في يوم من الأيام -قبل مـجيء الاستعمار الفرنسي- متصادمةً مع الـهويّة العربيّة، التي تـمازجتْ معها بالـمصاهرة والنّسب والعيش الـمشترك، طيلة أكثر من عشرة قرون، وكان لـهما مصير واحد وهدف واحد.. الأمر الذي يجعل الـحديث معه على هويّة جزائريّة، أمازيغيّة أو عربيّة واحدة نقيّة غير مـمكن.. فعلى الـجزائريين أن يدركوا أنّ كلّ مـحاولة لبعث التفرقة والصراع وإثارة الفتن بينهم، إنْ هي إلا امتداد للسيّاسة الاستعـماريّة التي كان شعارها “فرِّق تَسُد”.. كما عليهم أن يدركوا أنّ أحداث التّاريخ والواقع أثبتتْ أنّ تقسيم الأوطان يبدأ دائما بإثارة الصراعات ذات الأصل الثقافـي والعرقي، التي لا تلبثُ أن تلبس لبوس الإيديولوجيا والعنصريّة، لتنتهي إلى استقطابات خطيرة يصعب بعدها إيجاد أرضيّة للعيش الـمشترك.

نشر