د. حدو علي / جامعة الجزائر 3″

 دخلت الجزائر تجربة المصرفية الإسلامية بإنشاء بنك “البركة” الجزائري في 1991 وبعده مصرف “السلام” 2008، واليوم نشهد دخول التجربة بصورة أكثر توسعا من خلال فتح نوافذ بنكية إسلامية على مستوى بنك – الصندوق الوطني للاحتياط والتوفير(cnep-banque)، وننتظر في الفترة القادمة أيضا فتح نوافذ أخرى على مستوى كل من بنك الفلاحة والتنمية الريفية (BADR) والبنك المحلي للتنمية (BDL) والصندوق الشعبي الجزائري (CPA) والبنك الخارجي الجزائري (BEA)، ناهيك عن النوافذ الإسلامية التي كانت موجودة من قبل على مستوى agbbank وHousingbank، لكن يختلف كل فرع عن الآخر بالصيغة الإسلامية المعتمدة من بنك الجزائر، والقطاع المخصص لها الذي يدخل عادة في نطاق تخصص البنك. وفي ظل هذا الانفتاح يبدأ الناس والمؤسسات بالتساؤل، ماذا ننتظر من هذه الفروع في الجزائر؟، فعلى المستوى العالمي يرى الخبراء أن البنوك الإسلامية مخول لها بأن تقدم دعما تمويليا للاقتصاد، خاصة لكونها لا تعطي نقودا للمتعامل معها إلا في صيغة سلعة أو خدمة يحتاجها، طبقا للقاعدة الفقهية النهي عن بيع ما لا تملك، على عكس البنوك العادية التي تقدم أموالا للمستفيد بالرغم من وجود الضمانات الحقيقية، إلا أنه يبقى الاقتصاد الحقيقي لا يستفيد من التعامل المالي العادي بصفة مباشرة، والعلاقة بين البنك العادي والزبون تبقى علاقة إقراض للنقود، وهو ما يتنافى عند البنوك الإسلامية في ظل الامتناع عن التعامل بالربا (نقود – نقود بزيادة)، إلا في القرض الحسن أو البيع المباح، ومنه نلاحظ جليا كيف أن الاقتصاد سوف يستفيد من الارتباط بين الدائرة المالية والدائرة الحقيقية، لأن أي تعامل بالنقود سوف يؤثر بصفة آنية في الدائرة الحقيقية في ظل ضرورة الامتلاك وفقا للقاعدة الفقهية الآنفة الذكر، وهو ما ينعكس باستقرار نسبي لمعدل التضخم تلقائيا مع تدخل قليل للسلطات النقدية.

وفي ظل وجود هيئة شرعية موجهة للبنوك الإسلامية ونوافذها لما يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فإن المسؤولية الاجتماعية لهذه المؤسسات تعتبر عالية بالبحث عن فرص لما يضمن إنشاء المؤسسات والرفع من التشغيل والاكتفاء الذاتي وتقليل الاستيراد ورفع الصادرات، وتوقيف استنزاف الأموال للخارج، وتمتنع عن التعاون في تحقيق أضرار اقتصادية، سواء كانت قانونية أو غير قانونية، وذلك بتدخل من الهيئة الشرعية الداخلية أو الخارجية ومن دون الحاجة إلى تدخل الدولة. وقد تتعدى المسؤولية الاجتماعية للبنوك الإسلامية ونوافذها إلى ضرورة مكافحة الفساد بجل أنواعه، مثل تبييض الأموال، والرشوة، والاختلاس وغيره. كما أنها تراعي ضرورة المساهمة في التنمية البيئية بتقديم خدمات مالية صديقة للبيئة، حيث أنها لا تقدم تمويل لأنشطة تلوث المحيط وتمتنع عن دعم المؤسسات التي تعرقل عملية التنمية البيئة حتى وإن كانت هذه العمليات الضارة بالبيئة قانونية.

لكن على الصعيد المحلي بالجزائر، فإن البنوك الإسلامية والنوافذ المماثلة لها تعتمد على صيغ التمويل بالمديونية، على غرار المرابحة والإجارة والسلم والاستصناع بالدرجة الأولى بالرغم من قلة ربحيتها مقارنة بصيغ المشاركة مثل المشاركة والمضاربة التي تعتبر الأكثر ربحيا، بالإضافة إلى أنها أقل شبهة من الوجهة الشرعية. وقد يعود السبب في كون هذه المؤسسات المالية تتحاشى التعامل بالصيغ التمويلية التشاركية –التي تعتبر الأصل في إنشاء المصرفية الإسلامية- إلى نسبة مخاطرة هذه الأخيرة بالجزائر، حيث أن نظم المعلومات لدى المؤسسات الاقتصادية العاملة بالجزائر تعتبر أقل مصداقية، ولا يمكن الوثوق فيها خاصة عند تحديد النتيجة النهائية للدورة السنوية، وهو ما يؤكده الحجم الكبير للتهرب الضريبي بالجزائر، الذي يقدر تقريبا (تحت فرضية عدم القدرة على حسابه) 50 مليار دولار على الأقل، ناهيك عن تقنيات الغش في التصريحات، الأمر الذي سوف يعرض أموال البنك الاسلامي لمخاطر عالية هي في غنى عنها خاصة أنها أموال المودعين وليس أموالها فقط. ومن الجانب الشرعي، فإنه يحرم عليها الدخول في صيغ المشاركة بسبب الخسارة المحتملة في ظل هذه الأوضاع لأنه يكيف شرعا بأنه من الميسر. وإذا تمكن البنك من اكتشاف غش المؤسسة المستفيدة من صيغة المشاركة، فإن القضاء الجزائري ليس مؤهلا بعد لرد الحقوق في زمن سريع للبنك، وهو ما يشكل خسارة أخرى للبنك مع الأخذ بعين الاعتبار تدهور قيمة النقود مع الزمن، حيث قد يستمر النزاع القضائي ما بين ثلاث إلى عشر سنوات على الأقل، هذا إذا تمكن البنك من رد الأموال. كما أنه تم اقتراح طريقة تحديد خبير متخصص لمتابعة التصريحات دوريا، وهذا يعتبر ممكنا في الجزائر، لكنه أيضا عالي المخاطرة في ظل احتمالية تواطئ هذا الخبير مع المؤسسات ونهب أموال البنك من دون علم هذا الأخير.

وإذا ما أردنا أن نتعامل بالصيغ البيعية (المديونية) المعروفة، على غرار المرابحة والإجارة والاستصناع والسلم، فإن القانون التجاري الحالي يعتبر البنك وسيطا ماليا لا يعطيه القدرة على امتلاك سلع ووضعها في المخازن أو إصدار فواتير بصفته تاجر، الأمر الذي يعرض البنك لمخاطر فراغ قانوني ومخاطر شبهات شرعية، كما أن التعامل في صيغ التمويل بالبيع يعتبر ذو تكلفة عالية في ظل القانون الجبائي الحالي، حيث أن هذه المؤسسات المالية معرضة لتسديد الضرائب عند شراء السلع وعند بيعها (إزدواج ضريبي)، الأمر الذي يفقدها قدرتها التنافسية في السوق المحلية خاصة مع نقص وعي الزبائن، فكم سمعنا من الناس يظن بأن هذه المؤسسات تأخذ ربحية أكثر تحت غطاء ديني دون معرفة مسبقة بظروف عمل هذه المؤسسات، وأن نسبة كبيرة من المبالغ تعود لإدارة الضرائب، وهو ما يسميه الخبراء مخاطر السمعة السيئة.

أضف إلى ذلك أن النظام ينتظر جمع الأموال من القطاعات الاقتصادية ووضعها في حسابات إسلامية، لكن عمل البنوك الاسلامية في قانون مصرفي حالي بالجزائر يعرقل هذه العملية، حيث أن الزبون المودع لنقوده يرى بأن البنك الاسلامي يجب أن لا يتعامل مع بنك الجزائر بصفة ربوية إطلاقا، وهو الأمر المعمول به في النظم المزدوجة على غرار ماليزيا، لكن في الجزائر يعتبر البنك الإسلامي –بالرغم من عدم لجوئه للاقتراض من البنك المركزي- مجبر على الاحتفاظ بنسبة من الودائع في بنك الجزائر أو ما يعرف بالاحتياطي الإجباري عند البنكيين، وهنا نوافق الخبراء المنادين بضرورة التخلي عن هذه النسبة لصالح البنك الإسلامي، وذلك لسببين أولهما بأن البنوك الإسلامية تعتبر مضارب بهذه الأموال وليست ضامنة لها وهذا برضا من الزبون نفسه، كما أن البنوك الإسلامية بالجزائر لا تستعمل الأموال الموجودة عند بنك الجزائر لأنها في العادة تعتمد على طريقة الاحتفاظ بفائض من السيولة، وهو الأمر الذي يمثل ضياع الأرباح للمودعين والمساهمين من جهة، وللاقتصاد عامة من جهة أخرى.

وفي الأخير، أنوه إلى أن المصرفية الاسلامية مساهم للتنمية وليس اللاعب الوحيد في تجسيدها، كما يظن البعض فينتظرون منها الكثير اقتصاديا واجتماعيا، حيث أن هذه التجربة في الجزائر تقع في بنوك تعاني من نقص التأهيل تسويقيا، وفي ظل مستوى الجودة المتدني نسبيا سوف ينعكس على الأمر بعدم ثقة الزبون في هذه التجربة، وهو الأمر الذي سوف نحاول اقتراح طرائق لعلاجه في الأعداد اللاحقة.