» أعمدة » الثقافة السياحية

الثقافة السياحية

علي خفيف

60 مقال
منذ أسبوعين حجم الخط طباعة |

 لَـفَتَ انتباهي عددُ السياح الجزائريين الذين دخلوا إلى تونس بـمناسبة رأس السنة الـميلادية، حيث تشير الأرقام أنَّ عددَهم إذا أضيف إلى عدد الذين يَقضُون عُطلَهم الأخرى في تونس، يَصِلُ إلى حوالـَيْ مليونـَيْ سائح.. إذا قارنّا هذا العدد مع عدد السيّاح الذين تستقبلُهم الجزائرُ سنويّا، يبدو الفارقُ شاسعا جدّا، ويَصبحُ التساؤلُ عن سبب عزوف الـجزائريين عن السيَّاحة الداخليّة ضروريّا، وأكثر منه ضرورةً التساؤلُ عن لماذا لا تصبح الجزائر وجهةً سياحيّةً مثل غيرها من البلدان الـمجاورة..

أُنـبِّـهُ هنا إلى أنني لست ضد أن يَـتفسَّح الـجزائريون، ويـخرجون إلى تونس أو إلى غيرها من بلدان العالـم، فهو أمر مهم جدا للتَّـفتح والـمُثاقفة والتّجربة والنّضج والتّسامح وقبول الآخر.. حتى لا نبقى نَعتَـقِدُ أننا الشعب الأعظم في العالـم، فالشّعوبُ الـمنغلقةُ على نفسها نرجسيَّةٌ جدا، ومتخلِّفةٌ جدا، ولا ترى العالـَمَ إلا من زاوية ما يعبّر عن عُقَدِها (الفاضية) لأنـها لا تعرف إلا صورتـَـها أُنـْمُوذجاً للبشريّة، وهنا يكمن الـخطر..كما أُنـبـِّـهُ إلى حسن الضيافة التي نـجدها عند أشقائنا التونسيين فأنا شخصيا استمتعتُ كثيرا بالسياحة في تونس مراتٍ عديدةً.. أُسجِّلُ هذا حتى لا يَفهمَ أحدٌ أنني لستُ مسرورا بذهاب الجزائريين إلى تونس..

غير أنني أريد أن أُلْفتَ الانتباهَ إلى الـخلل الكبير في ثقافتنا السياحية، والاختلالات الـمختلفة التي تنجرُّ عنها في مـجالاتٍ كثيرةً، فلماذا لا نستقبل نحن أيضا ملايينَ السيّاح؟ ألسْنَا نتغنَّى دائما بجمال بلادنا وأنّـها جنّة الله في أرضه؟ ولـماذا يترك الجزائريون الجمالَ في بلادهم، ويذهبون للبحث عنه في بلدان اخرى؟ أَمْ لأنـَّهم يـجدون أشياءَ لا يـجدونـها في الـجزائر، مثل الـمرافق السيّاحيّة وحسن الاستقبال واحترام الخصوصيّات ؟!..لـماذا لا توجد مرافقُ سيّاحيّةٌ كافيةٌ لاستقبال السياح الجزائريين؟ فضلا عن الأجانب؟ لـماذا لـم نؤسِّسْ لثقافةٍ سيّاحيّةٍ تُنْـتجُ عقليّاتٍ مُتَفتِّحةً عند عامة الناس، تَـقبَلُ الآخرَ وتـُحسِنُ استقبالَه وتـَحترمُ خصوصياتـِه؟ فالثّقافةُ السيَّاحيَّةُ تُغذِّي سلوكَ الانفتاح والتسامح والـخروج من القوقعة، والنّمطيةِ الواحدة الناتـجةِ عن كَوْنِ كثير من الناس لـم يـَخْرُجوا ذِهْـنِـيًّا من (دَشْرَتـِهِمْ) طوال حياتـهم!. لـماذا يَذهبُ الجزائريون إلى السياحة العلاجيّة في بلدان مجاورة ويتركون مستشفياتِـنا؟ أليس لدينا كفاءاتٌ طبـيـّةٌ؟ أليس لدينا مناطقُ حـَمَوِيَّـةٌ هامّة؟ أليس لدينا شواطئُ عذراء، ورمالٌ ذهبيّة ناعمةٌ، وشـمسٌ دافئة حَنُون، وجبالٌ كثيفةٌ خضراء، وسـماء زرقاء عجيبةٌ، وصحراء مـمتدّةٌ بديعةٌ، ومناخٌ معتدِلٌ بأربعة فصولٍ حقيقيّةٍ، وفوق ذلك مساحةٌ متراميَّةُ الأطراف كأنّـها مساحةُ قارّة؟ أليس لدينا مـجالاتٌ كثيرةٌ للسيّاحة الدينيّة والعِلْميّة أيضا؟ ألا توجد لدينا آثارٌ ومحميّاتٌ مُصنّفةٌ عالـميّا؟.. لـماذا لـم نستثمر في هذا الـمجال؟ أليستْ السيّاحةُ مصدرا هامّا من مصادر الاقتصاد الـمعاصر؟ أم أن مستثمِرينا لا يعرفون إلا نوعاً واحداً من الـمشاريع؟ ألا يـُمثِّلُ هذا الاختلالُ في الـميزان السيّاحي – كوننا نذهب إلى الخارج ولا نستقبل أجانب- استنزافا للعُمْلةِ الصَّعبة وهدْراً فضيعاً لقيمة الدينار الجزائري؟ لأنّ الـمِنْحَةَ السياحيَّةَ زهيدةٌ، ما يـجعل الذاهبين إلى الخارج يُـقبِلون على السوق الـموازي للعُملةِ الصَّعبة، وهو السّببُ الذي يؤدِّي إلى ارتفاعها ارتفاعا جنونيّاً في مقابل الدينار.. ولا تُعالـَجُ الـمشكلةُ إلا بالـحل العكسي، أَيْ باستقبالِ عددٍ كبيرٍ من السيّاح الذين يُدخِلون العُملةَ الصَّعبةَ، فيَحدُثُ التوازن.. بل قد يتحقَّقُ الفائضُ إذا استقبلنا عدداً من السيّاح أكبرَ من عدد الجزائريين الذين يـَخْرُجون..

نشر