» أعمدة » التـخطيط اللّغوي

التـخطيط اللّغوي

علي خفيف

60 مقال
منذ 3 أسابيع حجم الخط طباعة |

التخطيط اللغوي تخصُّصٌ حديث، موضوعه التّخطيط من أجل حل الـمشاكل اللغويّة للأمّة والعمل على ترقـيّــة اللغة، تتكفّل به الدّولة ويساهـم فيه علماء اللغة والـمؤسّسات البحثيّة، والنّخب الثقافيّة والسيّاسيّة.. فهل نتبع نحن في الجزائر تخطيطا لغويّا خاضعا للشروط العلـميّة؟ أم أنّنا ما فتئنا نتّخذ قرارات من أجل ترقيّة اللغة الوطنيّة، لتكون النتيجة هي اكتساح اللغات الأجنبيّة لـمجالات أكثر مازالت تتوسّع يوما بعد آخر في بلادنا؟..ذات يوم قال الرئيس هواري بومدين: “يـجب أن نطوِّر اللغة العربيّة حتى لا تصبح لغة الشعر والغراميّات فقط.. بل حتى تصبح لغة الـمصانع والعمّال في سكيكدة وحاسي مسعود وأرزيو..” فهل أصبحت اللغة العربيّة اليوم بعد أكثر من أربعة عقود من هذا الخطاب، لغة البحث العلمي ولغة الصناعة والتجارة والإدارة، ولغة الدبلوماسيّة؟ أم أنـّها لا تزال لغة الشّعر والغراميّات فقط؟.. الـملاحظ أنّـها تراجعَتْ حتى عن لعب دور لغة الغراميّات، لأنّ الشباب على عهد الرئيس هواري بومدين كانوا يستمعون إلى أغاني الغراميّات بالفصحى من خلال أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وغيرهما..بينما اليوم يسمعون “البيضاء mon amour” ويسمعون “”on va danser وغيرهما.. إنّ الـمشكلة تكمن في التخطيط اللغوي الصّادر عن مؤسّسات مـختصّة، في عالـم لم يعد يـخضع للارتـجال والتسرّع في قراراته الـمصيريّة، ويبدو أنّنا نـخطّط للّغة ولـمسائل الـهويّة بنفس التّسرع الذي خطّطنا به لبيع الـمؤسّسات العـموميّة للخواص ثم إعادة شرائها من جديد، ثـمّ إعادة بيعها من جديد.. وقد نعيد شراءها من جديد!..

للتعريف أكثر بجدوى التّخطيط اللّغوي يـمكن أن أسوق بعض الأمثلة الـمتداولة في الـموضوع، واهـمـّها ما تقوم به الدول الاستعماريّة من سيّاسات لفرض لغاتـها على الشعوب الـمستعمرة، فلا يخفى على أحد ما تفعله فرنسا، مثلا، من أجل الفرانكوفونيّة التي ترصد لها ميزانيّة أكبر من ميزانيّة الدفاع!.. كما لا يخفى على أحد ما قامت به بريطانيا واسبانيا لفرض لغتيهما.. حتى أننا لا نعرف اليوم اللغات الأصلية لبعض مستعمراتـهما!.. ومن النّماذج النّاجحة جدا في التخطيط اللغوي، إسرائيل، ففي فترة من التاريخ تـحوّلَتْ اللغة العبرية إلى لغة جنائز وطقوس دينيّة فقط، بالإضافة إلى أنّ شعبها الذي جاء إلى أرض فلسطين غاصبا، كانت له لغات مـختلفة باختلاف الجنسيّات التي كان يتوزّع عليها.. ومع ذلك خطّطتْ اسرائيل، من خلال مجمع لغوي أعطتْهُ كل الصلاحيّات لترقيّة وفرض اللغة العبريّة الـمنقرضة، حتى أصبحت اليوم لغة التدريس ولغة البحث العلمي ولغة الدبلوماسيّة والاقتصاد!.. فسبحان مـحيي الـموتى بواسطة التخطيط الـجيّد ..ومن النّماذج النّاجحة في التخطيط اللغوي تركيا.. لقد كانت اللغة التركيّة تُكتَبُ بالحرف العربي، وكانت تحوي أكثر من 40% من الكلمات العربية والفارسيّة.. في سنة 1927 أراد كمال أتاتورك أن يُـنقِّـيَها من الكلمات الأجنبية، فأنشأ مـجلسا لغويّا أمدّه بالإمكانيّات والسّلطة، وكانت نتيجة عمله أن أصبحتْ اللغةُ التركيّة على ما هي عليه اليوم، وقد فرضَتْ نفسها في الدبلوماسيّة وفي البحث العلمي وفي الاقتصاد والتجارة العالـمية..

في الأخير: إنّ ترقيّة اللُّغة الوطنيّة يجب أن يـُخطِّط له الـخبراء، ويجب أن تسنده إرادة سيّاسيّة واجتماعيّة صادقة، ويجب أن تـُخصَّص له كل الإمكانيّات اللازمة، ويجب أن لا يخضع للظرفيّة والتّسرّع أو الابتزاز والـمزايدات السيّاسيّة..

نشر