» أعمدة » لـماذا يَـعْـتَـبِرُ بعضُهم العربيَّةَ لـغةً أصوليّةً؟

لـماذا يَـعْـتَـبِرُ بعضُهم العربيَّةَ لـغةً أصوليّةً؟

علي خفيف

60 مقال
منذ شهر واحد حجم الخط طباعة |

يَسِمُ بعضُهم اللغةَ العربيةَ اليوم، بأنـَّها تـحمل في طيّاتـها شحناتٍ أصوليةً، لتواشج علومها مع الدِّين، وذلك لأنـّها ازدهرتْ في ظل النَّص الديني وفي خدمته، وامتزجتْ به حتى أصبحتْ جلُّ كتب النحو، وكتب البلاغة والنقد القديم، تزخر بالشواهد من القرآن الكريـم والحديث النبوي الشريف، فلا دليل على قاعدة نـحويّة أو موقف بلاغي إلا بالرجوع إلى البيان القرآني أو النبوي.. ويرونَ أنّ النظرية الأدبيّةَ العربيّةَ نَشَأتْ تابعةً لنظرية الإعجاز القرآني، وأنّ كلَّ ما أثار النقادُ العربُ من قضايا نقديّة، على مستوى الشّكل أو الـمضمون، هي مجرد صدىً لأفكار علماء الإعجاز القرآني.. ومعنى ذلك أنّ كلّ من يتعلّمُ اللغةَ العربيّةَ عليه أن يأخذَ جُرْعاتٍ من الدين –وهو الأمر الذي لا يروق لبعض متطرفـي الـحداثة_ لأنّ جلّ شواهد النحو والبلاغة والنقد مأخوذة من النص الديني.. والخُلاصة من منظور هؤلاء، أنّ اللّغةَ العربيّةَ تُعتَبـَرُ لغةً أصوليّةً لأنـها مـمتزَجَةٌ بالدين، ولا يـمكن أن تكون حداثيّةً إلا إذا تـمّ تـخليصُها من الـحمولة الدّينيّة التي امتزجتْ بـها عبر تاريخها الطّويل.. وقد وصل الـحال ببعضهم، في مرحلة من الـمراحل، أنْ ربَطَ بين الـمدرسةِ الجزائريّة الـمُعَرَّبةِ والإرهاب!.. كما ربط بعضُهم بين سيّاسةالتّعريب وبين تـخلّفنا الفظيع في جميع الـميادين!..

ومن هنا، بدأ السّعيُ من قِبَل البعض لإيـجاد حلول لـهذه الأصوليّة اللغويّة.. فبعضهم يرى أن تنحصر العربيةُ في حَيِّزٍ لا يتجاوز الطقوسَ الدينيةَ ومراسيم الجنائز، ويتمنى أن يـحدث لـها ما حدث للغة اللاتينية التي لـم يعد دورُها يتجاوز الكنيسةَ، الأمر الذي سهّل بعد ذلك على الأوروبيين استبدالـها باللغات الحديثة التي كانت سببا في تقدّمهم على رأي هؤلاء.. وبعضهم يقترح أن يكون الحلّ في استبدالـها باللغات العاميّة لأنـّها أجدى في التّعبير عن الـخصوصيّات الوطنيّة، وأكثر تعبيرا عن مشاعر وحاجيات الـجماهير العريضة.. كما خطّط البعضُ لإخراجها من مـجال البحث العلمي والاقتصاد والـمصانع والأعمال وميادين الشُّغل، حتى يصبح الاهتمامُ بتعلّمها حرفةَ من لا حرفةَ له.. واهتدى البعضُ مـن الكتّاب باللغة العربيّة، الذين يعتبرون أنفسهم مسؤولين على عصرنتها وتطويرها، إلى ضرورة الترويج الـمُبالَغِ فيه للأفكار البنيوية والشَّكلانية الـمتطرفة -وجعلوها موضة النّقد- ليُـبْقُوا على اللغة العربيّة حبيسةَ الأبراجِ العاجيّةِ، التي لا تتجاوز النصوصَ الأدبيّةَ الـخاويَّةَ من الـمضامين، والـتي ليس لها تأثيرٌ خارج الصالونات الـمُكـيَّفة.. ولا بأس حينئذ أن تبقى اللغةُ العربيّةُ لغةَ الأدب الذي لا تـَحُلُّ بلاغتُه مشاكلَ التفكير، ولاعلاقة له بالحياة اليومية للناس..

في الأخير: مع أنني من دعاة تطوير برامج تعليم اللغة العربيّة، وتبسيطها وتـحديثها، وجعلها أكثر تعبيرا عن الواقع اليومي للناس، وأكثر مواكبةً للحداثة والـمستجدّات العلميّة والعصريّة، فإنني أرى أنّ التّخلف فينا وليس في اللغة.. لأنّ اللغةَ العربيّةَ طالـما كانت بكلّ خصوصياتـها التاريخيّة، لغةَ علوم وعقلانيّة،ولغةَ فلسفة وفكر وترجمة، ولغةَ فنّ وأدب جميل.. لقد صنعتْ حضارةً زاهرةً عندما توفَّرتْ لـها شروطُها..

نشر