» أعمدة » اللغة والهويّة والـمواطنة

اللغة والهويّة والـمواطنة

علي خفيف

60 مقال
منذ شهر واحد حجم الخط طباعة |

أثبتَ عُلَماءُ اللسانيات الأنثروبولوجية أن شخصية الفرد، وعقليَـتـَهُ، وتاريخَ أفكاره، ومشاعرَه تُـختَزَلُ كلها في اللغة، وأنّ اللغة تُشَـكِّلُ جزءاً أساسيّا من الوعي الثَّقافي للجماعة.. لأنّ الفرد حين يكتسب اللغةَ من الـمجتمع فإنّه يتمثَّل بالضرورة كل العناصر الثقافية السّائدة فيه، في هذا السيّاق حـاول عالـم الانثروبولوجيا الشهير كـلود ليفي ستروس تحديد الـخصائص العـامة للعقل الإنسانـي من خلال تـحليل عمليّات الفكر الـمحمول عبر الـخطابات اللغوية، باعتبارها الظاهرة الثقافية الأساسية التي يـمكن فهم كل صور الـحياة الاجتماعية عن طريقها، يقول: “حين نقول الإنسان فإننا نعني اللغة، وحين نقول اللغة فإننا نقصد الـمجتمع”.. ضمن هذا الـمنظور العلـمي، لا يـجبُ أن يكون صراعٌ بين اللغتين العربية والأمازيغيّة في الجزائر، بقدر ما يجب أن يكون بينهما تعايش تام، لأنـهما تعبّران عن بيئة اجتـماعيّة واحدة، وعن رؤية واحدة للعالـم انصهرتْ منذ مئات السنين..

قبل سنواتٍ حدّثتْني إحدى الأمّهات الفاضلات، وهي شاويّة حرّةٌ، أرملةُ شهيد، تجاوزتْ التّسعين من عـمرها، قالتْ لي: نشأتُ في إحدى قرى مدينة خنشلة، ولـم أكن أعرفُ كلمةً عربيَّةً واحدةً حتى تزوّجتُ، فلمّا انتقلتُ إلى عائلة زوجي بدأتُ أتعلّمُ العربيّة من الصفر.. قلتُ لـها: هل وجَدْتِ صعوبةً كبيرةً في التّعامل مع الـمحيط اللغوي الجديد؟ قالت لي: لا.. لم أجِدْ صعوبةً كبيرةً، لأنّ البيئةَ التي تزوّجتُ فيها كانت لها نفس العادات التي عندنا فـي ريفنا!.. وأنَّ الأشياءَ التي يَـمتلِكونـَها هي نفسُها التي كانتْ عندنا، وأنّ الأعمال التي كانوا يقومون بـها هي نفسُها التي كنتُ أُمارسها يوميّاً في بيْتِ والدي، تقول: وجدْتُ نفسي أعرفُ كُلَّ الأشياء، ولذلك اعتبرْتُ الكلماتِ العربيّةَ الجديدةَ كأنـّها مُـجرَّدُ مرادِفات إضافيّة فقطْ للُّغة التي كنتُ أُسمّـي بـها الأشياء في بيئتي الأولى.. لقد اختزلتْ هذه الأمُّ الفاضلة كلَّ النظريّات اللسانيّة السّابقة في تـجربتها، حث أنّ الاشتراك في البيئة والعادات والـمعتقدات يسهِّلُ التعايش بين اللغات إلى أبعد الحدود، كمـا يُسهِّلُ الانتقالَ بينها إلى أبعد الـحدود.. فهل من أحد يستطيع القول إنّ الإنسان العربـيّ في الجزائر يـختلف في عاداته وتصوّراته للأشياء وللعالـم عن الإنسان الأمازيغي، مثلما يختلفان -معاً- جذريّا عن الإنسان الفرنسي مثلا؟.. وهل فرّقتْ بينهـما بالأمس اللغةُ حينما هبّوا جميعا للدفاع عن بلادهما ضدّ الـمستعمر؟..

وإذا عُدْنا إلى الـمثال السّابق لـهذه الأمّ التي تزوّجتْ في غير بيئتها اللغويّة، والتي تُـمثِّلُ حالةً من ملايين الحالات، هل يـمكنُ الحديثُ عن هويّة واحدة نقيّة عبر تاريخٍ يـمتدّ إلى أكثر من ألف سنة من التصاهر والاندماج؟ ولـماذا لـم يظهر هذا التّـمايز العرقيُّ واللغويُّ إلا بعد مجيء الاستعمار؟!.. يـمكن أنْ نوضّح أكثر بفكرة أخرى: إذا ترجمنا نصوصاً جزائريّة من اللغة العربيّة أو من اللغة الأمازيغيّة إلى أيّة لغة أجنبيّة، ألا نكون قد نَقَلْنَا تُراثاً جزائريّا واحدا إلى العالـم؟ فأين التعارضُ الـمزعوم بين اللغتين ياتُرى؟ ولـماذا حساسيّة إحداهـما من الأخرى؟ لقد آن الأوان لأنْ يتوافق كلُّ الجزائريين على إذابة كلّ العصبيّات، ليحلّ مـحلّها سلوكُ الـمواطنة التي تقوم على الواجبات والحقوق وترفعُ الوطنَ فوق الجميع..

نشر