» أعمدة » محمد الصالح يحياوي 3 – الرجل الذي انتهت قصته قبل أن تبدأ!

محمد الصالح يحياوي 3 – الرجل الذي انتهت قصته قبل أن تبدأ!

محمد يعقوبي

70 مقال
منذ 6 أيام حجم الخط طباعة |

باستسلام كل أعضاء مجلس قيادة الثورة للصمت المطبق، أصبح الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية، وأمرا واقعا فرضه مرباح وبلهوشات والعربي بلخير، وخلفهم ضباط فرنسا المتمترسون خلف الجيش، والذين بدأ بالنسبة لهم عهد جديد.. فالرئيس الذي كان يستعملهم ويستغلهم مات.. وجاء رئيس جديد يمكن استغلاله واستعماله.. أو هكذا كانوا يعتقدون..
رفع محمد الصالح يحياوي الجلسة مثلما افتتحها، وافترق الجمع دون أن ينبسوا ببنت شفة لبعضهم البعض، ولأن الأمر يتعلق بأمن واستقرار البلاد، فلقد اصطفت كل قيادات مجلس الثورة خلف الرئيس الجديد، حتى زكاه مؤتمر جبهة التحرير بداية 79، وأعلنت تشكيلة الحكومة الجديدة التي سقطت فيها أسماء وصعدت فيها أخرى، مثل عبد الحميد مهري خلفا لرضا مالك، ومحمد شريف خروبي خلفا لمصطفى الأشرف، وقيل الكثير عن تشكيلة الحكومة، مثلما قيل إن اختيار الشاذلي رئيسا هي وصية تركها الراحل بومدين لأقرب مقربيه، وكذلك تشكيلة الحكومة، هندسها الراحل على فراش الموت، واحترمها الشاذلي حرفيا..
هكذا كان بعض الضباط يروجون لتبرير الجنوح نحو اختيار الشاذلي رئيسا، لكن محمد الصالح يحياوي يسخر من هذه الادعاءات، ويرفضها بالمطلق، ويرى أنه لا يمكن لبومدين أن يوصي بالشاذلي رئيسا، ولا حتى بتشكيلة الحكومة التي أعلنت، إنما هي إرادة المخابرات والجيش فرضت فرضا على مجلس قيادة الثورة، واستسلم لها المجلس حرصا على وحدة الوطن واستقراره…

 

تحركت السفينة، والتزم كل بمقعده ينتظر ويترقب العهد الجديد، وما سيحمله من مفاجآة، وعاد يحياوي إلى مبنى زيغود يوسف يقوم بواجباته على رأس الحزب، تماما مثلما تعود على ذلك في حياة الراحل بومدين، مصمما على نفس الفكرة التي أقنع بها بومدين، وهي أن يجعل من الحزب حزبا وليس جهازا ينفذ أوامر أجهزة الأمن، وظلت صورة قاصدي مرباح وهو يلملم كرامته المبعثرة في المكتب حين طرده منهن لا تفارق خيال يحياوي، خاصة أن مرباح أصبح في العهد الجديد أقوى رجل يستظل بظل الرئيس الجديد.. هل سينتقم؟ أم سيرجح مصلحة الحزب والبلاد؟.. هل سيتعاون أم سيحارب حتى يزيح خصومه من داخل الحزب والجيش؟.. ولعلها أسئلة كانت تدور في كل مؤسسات الدولة، تضاف إليها أسئلة أكثر خطورة، على نحو طبيعة المرحلة الجديدة، وما تحمله من رؤية سياسية واقتصادية، ومصير الأفكار التي طرحها بومدين، ولم يسعفه الأجل ليستكملها، ويكاد يحياوي يكون مقتنعا أن الموت والأجل لم يكونا ليخطرا على بال الراحل بومدين، إذ لم يكن يعتقد أنه سيرحل في هذا السن (46 سنة)، وقد عقد العزم على إحداث إصلاحات هيكلية في أجهزة الدولة، وبدأ بالحزب عندما كلف محمد الصالح يحياوي بإحياء تلك الجثة الهامدة التي لم يكن لها معنى قبل مجيء الصالح.. ولذلك امتلك يحياوي الشجاعة ليطرد رئيس المخابرات قاصدي مرباح من مكتبه، عندما أراد الأخير أن يرهن هذه الإرادة لصالح المخابرات، طرده ليس لقوة يحياوي، بل لأنها إرادة بومدين نفسه، العازم على أن يبعث الروح من جديد في الحزب..

 

بقي يحياوي في مكتبه لأسابيع، منشغلا بإعادة هيكلة قواعد الحزب، وفق الرؤية التي اتفق عليها مع الراحل بومدين، إلى أن وصلت ذكرى عيد العمال في الفاتح من ماي عام 79، التي تعوّد الرئيس الراحل بومدين أن يحييها بتجميع كل المنظمات الجماهرية ليخطب فيهم خطابه السنوي، محددا الخطوط العريضة للسياسة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، ولأنه أول احتفال سنوي يمر على البلاد في عهد الشاذلي، حمل يحياوي هاتفه وطلب الرئيس..
– صباح الخير سيدي الرئيس ..
– صباح الخير سي يحياوي.. كيف حالك وحال العائلة وحال الحزب؟
– الحمد لله سيدي الرئيس كل شيء بخير..
– هل من جديد سي يحياوي بخصوص الحزب؟
– لا سيدي الرئيس، كلّمتك بخصوص عيد العمال الأسبوع القادم، وقد تعودنا أن نجمع كل المنظمات الجماهيرية ليخطب فيهم الرئيس، ويتحدث عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية كما يفعل كل زعماء العالم، فعلها بن بلة، وداوم عليها الرئيس الراحل بومدين..
– وما المطلوب سي يحياوي؟
– سيدي الرئيس، أستأذنك في إعداد خطاب لفخامتكم يختصر كل الأوضاع، ويحدد بعض السياسات المستقبلية، وستلقيه فخامتك بحضور كل المنظمات الجماهيرية، وينقله التلفزيون لعموم الشعب الجزائري؟
– هل ترى أن الأمر ضروري وملح سي يحياوي؟
– بالطبع سيدي الرئيس، لم يحدث أن تغيب الرئيس بومدين عن الحدث؟
– طيب.. افعل ما تراه مناسبا سي يحياوي؟
استبشر يحياوي خيرا بهذه البداية السلسة، واعتقد للحظة أن الرئيس ليس في نيته الرجوع عن سياسات بومدين وتوجهاته، وطريقته في تسيير الدولة، بعدها عكف يحياوي أياما يتفنن في كتابة خطاب الرئيس، وربما أفرغ كل طاقته في هذا الخطاب، ليضمن ظهور الرئيس بمظهر قوي، خاصة أنه الظهور الجماهيري الأول للشاذلي، إذ كان فضول الشعب كبيرا في الاستماع إلى رئيس جديد، سيخلف سيد المنابر السياسية هواري بومدين.
وقبل يوم واحد من المهرجان العمالي، أنهى يحياوي الخطاب ورفع سماعة الهاتف..
– سيدي الرئيس مساء الخير..
– أهلا سي يحياوي.. جابك ربي كنت نحوس عليك!
– خيرا سيدي الرئيس.. أنا في الخدمة؟
– بخصوص هذاك الخطاب.. مكان لاه..!
صدم يحياوي.. وراح يقاوم ..
– سيدي الرئيس، ولكنْ كل شيء جاهز، وممثلو العمال والمنظمات الجماهيرية سيتكبدون عناء السفر من كل ولايات الوطن ليستمعوا لفخامتك، مثلما تعودوا مع الراحل بومدين.
– سي يحياوي.. بومدين بومدين.. والشاذلي الشاذلي.. قتلك لن أحضر ولن أخطب!
– سيدي الرئيس، لكن ما العمل لقد جهزت لك خطابا مهما يليق بفخامتك، وإذا كانت المشكلة في اللغة العربية فسوف أطبعه لك بالحروف الكبيرة حتى يسهل عليك قراءتها..!!
– ما تعييش روحك سي يحياوي.. أنا الرئيس وأنا الذي يعرف ما يجب أن يكون!
– حاضر سيدي الرئيس.. ولكن ما العمل؟.. بماذا تنصح!
– ساهلة سي يحياوي.. هذاك الخطاب روح أنت أقراه عليهم..!
– لكن سيدي الرئيس، الخطاب مكتوب باسم الرئيس، وعلى لسانه، ويحمل توجهات الدولة وسياسات الحكومة، ولست مؤهلا لأن أقرأه..
– سي يحياوي.. دبر راسك.
– إن شاء الله سيدي الرئيس.. ربي يجيب الخير.
استرجع يحياوي أنفاسه.. وراح يداعب الشكوك التي لم تفارق ذهنه أصلا، هل يمكن أن يكون الرئيس قد تعرض لعملية تضليل من المحيطين به، لنقض سيرة الراحل في التعاطي مع هكذا حدث؟ وما الهدف الذي يجعل الرئيس يتخلى عن فرصة جاهزة ليظهر بمظهر شعبي مقنع..!!
المهم وضع يحياوي الخطاب الجاهز جانبا، وقرر أن يرتجل خطابا يتلاءم مع منصبه كمنسق للحزب، وليس كممثل لرئيس الجمهورية..
وفي الغد دخل يحياوي القاعة يحمل على كتفيه هما ثقيلا.. كيف يمكن أن تتقبله الجماهير وقد جاءت من كل الولايات لرؤية الرئيس الجديد والاستماع إليه؟.. لكن بمجرد صعد المنصة وعرفه الناس ارتجت القاعة بالهتاف والتصفيق بحياة الحزب والرئيس ويحياوي والجزائر، وهو ما زرع القلق في نفس يحياوي، الذي يعلم أن أعوان المخابرات مزروعون في كل جنبات القاعة، ولا يمكن أن تفوتهم شاردة ولا واردة..
صعد يحياوي المنصة، وأمسك الميكروفون وأطلق العنان لحنجرته التي يعرف قوتها وتأثيرها خصومه قبل أصدقائه، وصال وجال في الحديث عن الثورة، وعن الثروة، وعن العمال، وعن الفلاح، وعن المرأة.. ثم أثنى على الرئيس الشاذلي بما يجب، وتمنى له التوفيق.. ثم فتح قوسا كبيرا ليمدح بومدين ويثني على سياسته، ويعدد خصاله، وقال جملته المشهورة التي ذبحته وذبحت معه كل وفي لبومدين ولمنهجه.. قال: “لن نقبل التراجع ومستعدون للمراجعة!!.. لا للتراجع.. نعم للمراجعة!!” وهي الجملة التي فجرت القاعة، وكأنه الحنين للزعيم الأوحد، وكان يحياوي يعني ما يقول، وربما في قرارة نفسه، كان حازما أمتعته، مستعدا للرحيل إذا خانه الرفاق مرة أخرى..
انفض الجمع مصفقا ومهللا، وهاتفا بحياة يحياوي، والقوم لا يدرون أنهم يشيعون الرجل إلى مثواه الأخير سياسيا، إذ في اليوم الموالي أمر الرئيس أعوانه باستدعاء يحياوي إلى مكتبه لأمر جلل، فهم يحياوي أن “آلة” مرباح قد اشتغلت بإتقان، لتضرب علاقته مع الرئيس، عاتب الرئيس يحياوي بعنف، وسأله ماذا يقصد بنعم للمراجعة لا للتراجع؟.. رد يحياوي بثقة.. “نعم لمراجعة الأخطاء السابقة سيدي الرئيس، ولكن لا للتراجع عن مسار الثورة والدولة الذي أسس له بومدين”.. رد الشاذلي.. أنا مكش لي يعطيني دروس في الثورة.. كل واحد يحكم قدروا..

 

انتهى النقاش بطريقة سيئة، لكن الواضح أن أزمة ثقة قد اندلعت كالنار في الهشيم بين الرجلين.. يحياوي كان عازما على أن يحترم رئيسه وينفذ سياسته، ويناقشه بأدب إلى أبعد منطقة ممكنة.. وظلت البرودة في العلاقة بين الرجلين سيدة الموقف لأشهر، إلى أن مرض يحياوي مرضا شديدا من لوزتيه، وسافر إلى قسنطينة لدى طبيب جراح فرنسي من أعز أصدقائه، بغرض إجراء عملية جراحية لاستئصال اللوزتين، لكن الطبيب نصح يحياوي بعدم استئصالهما، بل أرشده إلى مصحة معدنية في الجنوب الفرنسي، وأرسل معه كتابا ليحسنوا استقباله وعلاجه، وسافر بالفعل يحياوي إلى تلك المصحة، التي مكث بها خمسة عشر يوما، شفي بعدها دون أي جراحة أو أدوية، وعاد فرحا سعيدا إلى وطنه. وبمجرد نزوله من الطائرة، يفاجأ بعدد من الضباط في انتظاره.. “سي يحياوي على سلامتك.. يجب أن ترافقنا إلى مكتب الرئيس هو ينتظرك على أحر من الجمر”. استغرب يحياوي شديد الاستغراب، وطلب منهم السماح له لزيارة بيته والسلام على أولاده، ثم الالتحاق بالرئاسة، لكن الضباط اعتذروا.. “الرئيس قال لنا غير يهبط جيبوه”..!
دقائق معدودة دخل يحياوي على الرئيس، بعد أن وضع حقائبه في بهو الرئاسة، فوجده غاضبا واقفا متجهما، رفض حتى أن يسلم عليه، وصاح في وجهه كما لو أنه اقترف جريمة..
– خسارة عليك سي يحياوي.. ما ستنيتهاش منك.. نخليك وراي في الحزب تخدعني..
زادت دهشة يحياوي وقال للرئيس بالهدوء:
– سيدي الرئيس فهمني واش درت..
– وش درت ؟ تروح فرنسا تتلاقى مع متطرفي القبايل وتتحالفوا ضدي.. وتقولي واش درت؟
أمسك يحياوي برأسه.. وأدرك أن خفافيش الظلام قد لعبت مرة أخرى بينه وبين الرئيس، وألفت قصصا ليس لها صلة بالواقع.. أشفق على الرئيس ورد عليه بلطف..
– سيدي الرئيس.. أنا كنت مريضا جدا.. رحت نداوي وش من قبايل؟
– قتلك رحت تلاقيت مع بعض الانفصاليين لي ما يحبوش البلاد.. عندي قع المعلومات!
رد يحياوي..
– سيدي الرئيس، الانفصاليون نقدر نتلاقاهم هنا في أي ولاية نحب.. علاش نتلاقاهم في فرنسا؟ ثم تعتقد سيدي الرئيس أني عندي هذه النزعة الانفصالية حتى أفعل ما تقول؟ ثم أنا المسؤول الأول عن الحزب، كيف لك أن تصدق عني هذا الكلام؟
– سي يحياوي، هذي لازمها جلسة طارئة للمكتب السياسي، ما نسمحلكش بتصرفات تهدد كيان الدولة..
أدرك يحياوي أنه أمام بركان من التهم، استأذن في الانصراف وقال:
– سيدي الرئيس عندما تهدأ نتكلم، ولكن يجب أن تثق أنني من طينة الرجال الذين لا يخدعون ولا يخونون ولا يضربون في الظهر..
صد الشاذلي عن ضيفه بظهره وقال له بيده:
– خلاص خلاص روح..!
عاد يحياوي الى بيته، وهو متقين أن أيامه صارت معدودة، في نظام جديد لا يرغب في نوع معين من المسؤولين، وأدرك جيدا أن حاشية سيئة تتحكم في قرارات الرئيس، وتحرضه على من تراه غير مناسب لها..

 

التزم يحياوي مكتبه عازما على التقليص من حركته وتصريحاته وتنقلاته، إلا إذا طلب منه الرئيس ذلك، وظل على هذه الحال قرابة الشهر، إلى أن جاءه من يخبره أن الرئيس يريده على جناح السرعة.. تنهد وأدرك أنها مشكلة أخرى يجب أن يستعد لمواجهتها، وما إن دخل حتى استقبله الرئيس بطريقة سيئة جدا، وقال له:
– أنا تقول علي ست أشهر ويتنحى!!
رد يحياوي..
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. شكون قالك هذا الكلام سيدي الرئيس؟
رد الرئيس:
– مايهمش.. المهم أنك قلتها، وهذه بالنسبة لي كارثة..
– سيدي الرئيس، لازم تقولي شكون قالك هذا الكلام الفارغ..
هنا انفجر الرئيس تحت ضغط الطلب، وقال:
– رابح بيطاط هو لي قال..
استأذن يحياوي في الانصراف متوترا غاضبا من صديقه بيطاط، ومباشرة قصد بيته..
دخل على صديقه والحيرة تخنقه.. هل قلت للرئيس عني هذا الكلام سي رابح!؟
اندهش بيطاط شديد الدهشة، ورد بعفوية:
– محال تخرج من فمي هدرة كيما هذي!
قال يحياوي:
– لدي طلب بسيط منك سي رابح.. هل تقبله؟
– نعم بالتأكيد يا صديقي..
قال يحياوي:
– هل تستطيع مواجهة الرئيس بهذا الكلام؟
والحقيقة أن بيطاط كان شجاعا الى أقصى ما تتحمله الشجاعة، ورد على صديقه دون تردد.. نعم سأفعل..
في الصباح الباكر تواعد الرفيقان، والتقيا في رئاسة الجمهورية، وبقيا ينتظران دخول الشاذلي الى مكتبه، وما هي إلا دقائق حتى مر عليهما الرئيس، ونظر إليهما بشيء من الريبة دون أن يلقي حتى التحية، مر وقت طويل ولم يطلب الرئيس من كاتبه أن يدخل عليه ضيفاه ورفيقاه، لذلك دخل يحياوي على الكاتب، وقال له قل للرئيس نريد أن نراه لأمر هام..
وافق الرئيس، ودخل الرجلان وملامح الشاذلي تكاد تقول كل شيء..
جلسا وبادر يحياوي بالحديث:
– سيدي الرئيس، هذا بيطاط أمامك، ويحلف على المصحف أنه لم يقل شيئا مما اتهمتني به..
تدخل بيطاط في نفس الاتجاه:
– سيدي الرئيس، وقتاش أنا قتلك هذي الهدرة؟..
حينها انفجر الرئيس غضبا، وقام في وجه ضيفيه بطريقة عنيفة وهو يقول:
– قالوهالي.. اخرجوا عليا.. اخرجوا..
خرج الرجلان والخيبة تثقل كاهلهما، لكنهما فهما أن شيئا ما سيئا يحدث حول الرئيس، لا يجب السكون عنه، إنها الحاشية تدمر كل شيء جميل في رئيس عاقل رزين دمث الأخلاق، وطني محب لرفاقه المجاهدين، ومسبل من أجل الوطن.. لكنه يتغير بطريقة مؤسفة.
كانت ذلك الطرد آخر لقاء ليحياوي بالشاذلي، بعدها عرف الرجل أن الحبل يضيق على رقبته، وهو ينتظر على أحر من جمر، الدورةَ العادية للحزب، حتى يترك الجمل بما حمل لمن يريدون منه الرحيل بكل الطرق، لكن القوم كانوا يريدون بهدلته، ولا يريدون له شرف البطولة، سواء كانت استقالة أو إقالة، ورغم عزلته في مكتبه، إلا أن الرفاق ظلوا يتحرشون به، ويبحثون له عن رصاصة الرحمة..

 

كلفت المخابرات ضابطا في رئاسة الجمهورية أن يفتح تحقيقا عن يحياوي، ويراقب تحركاته، ويجرد كل يراه من مخالفات داخل الحزب وخارجه، ظل الضابط ينبش ويتحرش ويترصد حتى تعب، ولم يجد شيطانه حرجا في التحقيق حول التأثيث الذي حصل عليه مقر الحزب من رئاسة الجمهورية في عهد بومدين، وهنا يفتح يحياوي قوسا ليقول: إنه في عهد بومدين احتاج الحزب إلى تمويل، فقصدت الرئيس أطلب منه تخصيص ميزانية ثابتة للحزب، حتى لا يضطر إلى أن يشحت احتياجاته من القطاعات الوزارية المختلفة. فأمر بومدين شركة إيطالية كانت تتكفل بتجهيز ورعاية كل احتياجات رئاسة الجمهورية، أمرها أن تفعل ذلك مع الحزب، وظل الأمر على حاله حتى في عهد الشاذلي..
لم يجد ذلك الضابط حرجا أن يدون في تقريره بأن الأثاث الذي سلمته رئاسة الجمهورية للحزب والمفترض وجوده في مكتب يحياوي قد اختفى نصفه، وأن الزربية العملاقة الموجودة في مكتب يحياوي مغشوشة، على أساس أن يحياوي قد هرّب الزربية الأصلية والثمينة، واستبدلها بزربية مغشوشة، والكثير من التهم التافهة التي يندى لها الجبين.. وما إن بلغت هذه الاتهامات مسامع يحياوي، حتى استشاط غضبا، وطلب كتابيا من الشركة الإيطالية المكلفة بالتجهيز، أن ترسل خبيرا في التجهيزات التي تشتغل عليها، وما هي إلا أيام حتى وصلت خبيرة إيطاليا لتدخل على يحياوي مكتبه، محاطة بعدد من الضباط، وراحت تقلب الزربية يمينا وشمالا، حتى عثرت على الختم الذي يدل على أن الزربية أصلية ولم تستبدل، وشهدت بما يشهد به الصادقون..
استرجع يحياوي هيبته مع هذا الضابط، الذي يروي عنه بمرارة، أنه أصبح وزيرا فيما بعد، دون أن يفصح عن اسمه، لأنه توفي نهاية الثمانينات، لكن ما الفائدة.. فالرئاسة أصبحت لا تكترث لحجم الاهانات التي يتلقاها الرجل، وقد تيقن أن بقاءه ليوم واحد هو انتحار، أو إعلان لحرب غير متكافئة، بين رجل يريد أن يعمل بوفاء، وجيش من المخبرين يشوهون سمعته في كل مكان، ويحرضون ضده..
كتب يحياوي استقالته، وبعثها إلى الرئيس، وعاد محبطا إلى بيته مع بداية الثمانينات.. لكن آلة الحقد استمرت في ملاحقته، إذ يروي بمرارة كيف حرم هو وعائلته من مرتبه الشهري لسنوات عديدة، لدفعه إلى مغادرة الوطن كما فعل بعض رفاقه، دون أن يحصلوا على مرادهم، إمعانا منهم في الإهانة والإذلال، لولا وقفة الكثير من الوطنيين المحيطين بالشاذلي، الذين بدأوا يتضايقون من تغول ضباط فرنسا، الذين أصبحوا جنرالات، وبدؤوا يسيطرون على الوضع سياسيا وأمنيا، إلى درجة تصحرت فيها الساحة من عدة قامات وطنية، فضلت الظل على المواجهة والصدام.. وربما دفع الشاذلي فيما بعد ثمن ذلك غاليا، عندما استطاعت هذه الشلة التي تغولت وفرخت، أن تفرض عليه الاستقالة، وهي التي فرضته فرضا على رأس الدولة قبل 13 سنة..

 

انتهت قصة يحياوي قبل أن تبدأ للأسف الشديد، وفضل أن يكون بيته الصغير هو منفاه الحقيقي، إذ لا يغادره إلا للعلاج.. يقضي وقته في القراءة والكتابة، ولا يريد من الجزائريين إلا المحافظة على وطن استحق الدماء، فكيف لا يستحق التضحية.. يذكر يحياوي أن العربي بلخير قبل وفاته بعدة سنوات زاره في بيته، واعتذر له بألم شديد، ربما باسم المجموعة كلها التي توفي أغلب أعضائها، وبقي يحياوي حيا، قالها بصراحة .. “سامحنا سي يحياوي ظلمناك!..” لكن يحياوي كان قد سامح الجميع يوم التزم بيته، وصمت كل هذا الوقت، من أجل وطن يقول إنه كبير.. وكبير جدا.. استحق دماءنا فكيف لا يستحق سكوتنا.

نشر