» أعمدة » محمد الصالح يحياوي 2 – فناجين القهوة .. التي تكسرت على ركبة الشاذلي!

محمد الصالح يحياوي 2 – فناجين القهوة .. التي تكسرت على ركبة الشاذلي!

محمد يعقوبي

70 مقال
منذ 6 أيام حجم الخط طباعة |

أغلب الجزائريين كبارا وصغارا، يعتقدون أن وفاة الرئيس بومدين نهاية 78، أشعلت حربا شعواء بين وزير الخارجية آنذاك، عبد العزيز بوتفليقة، والرجل الأول في الحزب، محمد الصالح يحياوي، للتنافس على خلافة الراحل، وهي وقائع مزورة لا أساس لها من الصحة، وربما ساهمت المخابرات آنذاك في الترويج لهذه الإشاعات، حتى تفرض منطق الغلبة لمن تريده خليفة للرئيس بومدين، بإقصاء كل الأسماء التي تستمد قوتها من شخصية الرئيس الراحل.
نعم.. هذا الذي فهمته من كلام محمد الصالح يحياوي في لقائي معه في بيته على مدار ثلاث ساعات من الاستماع، وما رواه لي عن قصة اختيار الشاذلي بن جديد رئيسا، يكاد لا يصدقه العقل بالنسبة لشخص مثلي ظل يعتقد أن الصدفة والحل الثالث والحلقة الأضعف هي العوامل التي جعلت الشاذلي رئيسا، وأن حربا سياسية قامت بين بوتفليقة ويحياوي لافتكاك تاج الخلافة، والحقيقة التي سمعتها من يحياوي، وأنقلها بأمانة شديدة تعكس مدى التضليل الذي مورس على تفاصيل دقيقة من تاريخنا، أغلب صناعه بين راحل وساكت، خاصة بعد أن ترجل الرجل القوي المسيطر..
بعد أسبوع من وفاة بومدين، عم صمت قاتل في دواليب الدولة، وحتى بين الأجهزة الحساسة. الجميع يترقب الجميعَ، والجميع ينتظر من يبادر بالحديث، عن الأفق والمصير الذي ينتظر وطنا بكامله.. لكن مؤسسات الدولة كانت تغلي من الداخل، فمؤسسة الجيش ومنسقها الشاذلي بن جديد الذي عينه الرئيس بومدين في هذا المنصب عندما داهمه المرض، كانت تغلي بالهواجس، وتموج بالمخاوف، خاصة بين كبار الضباط المحيطين بالشاذلي بن جديد. أما مؤسسة الحزب فقد جاوز الغليان داخلها الحد المقبول، وظل السؤال الكبير الذي دوخ الجميع داخل الحزب والجيش وباقي هياكل الدولة: من هذا الذي يجرؤ على خلافة بومدين ؟
جاوز الصمت مداه، وبدا واضحا لدى إطارات الدولة أن مسؤولية المبادرة ملقاة على عاتق رجلين هما على رأس هرم الدولة، يتعلق الأمر بالرجل الأول في الجيش الشاذلي بن جديد، والرجل الأول في الحزب محمد الصالح يحياوي، ومن الواضح جدا أن هذه المطالبات قد بلغت مسامع الرجلين.. ولكن من يبادر باتجاه الآخر؟ ومن يقبل بصعود السلم نحو الآخر، أو لنقل من يتنازل فيبادر بطرق الموضوع على الآخر؟ .. ولعلها الحركة البسيطة التي حددت فيما بعد مصير وطن بكامله، وحددت من يكون خليفة بومدين (…).
نعم مثلما توقع الجميع، جاءت المبادرة من محمد الصالح يحياوي، بينما ظل الشاذلي يترقب في مكتبه، رفع يحياوي هاتفه:
– صباح الخير سي بن جديد .. ما رأيك في فنجان قهوة ولك أن تختار.. في مكتبي أم في مكتبك؟
– بكل سرور سي يحياوي، أفضل أن نشربها في مكتبي !
حمل يحياوي حقيبته، وما هي إلا بضع دقائق حتى دخل على الشاذلي في مكتبه.. طبعا اللقاء ملغوم يشوبه حذر من الطرفين، وفي حاجة إلى من يذيب الجليد أولا، ويبادر بالحديث والاقتراح. ولأن الشاذلي رجل عسكري وتقني يعد كلماته عدا، كان متوقعا أن يتحمل يحياوي مسؤولية تأطير النقاش، بينما النتائج كانت على كف عفريت ..
– سي بن جديد البلاد في حاجة إلى وقفة رجولية لتجنيبها أي انزلاقات.. الرئيس توفي ولابد لنا من اتفاق وتوافق على من يتحمل هذه المسؤولية في هذا المنعرج الخطير..
تراجع الشاذلي الى مقعده قليلا وكأنه يستزيد من حديث ضيفه، ثم رد على يحياوي بلغة العسكري التقني غير المبالي بالتحاليل والمخاوف والنتائج:
– وماذا تقترح سي يحياوي؟
طبعا الأفكار كانت مرتبة ومنهجية في ذهن العقيد، ضمنيا كان الرجل أكثر احتواء للنقاش وتوجيها لمساره، خاصة أن المرحوم الشاذلي كان ومات رجلا منطقيا مستقيما ومنسجما مع نفسه، بدليل انه فضل أن يستقيل على أن ينتهك إرادة الشعب سنة 91 ..
المهم، استجمع يحياوي قواه، وقالها بالفم المليان:
– سي بن جديد، أظن أن أحق الرجال برئاسة البلاد حاليا بحكم المنصب والسن والنضال والإجماع هو سي رابح بيطاط، (كان يشغل –حينها- منصب الرئيس بالنيابة) ..
ارتشف الشاذلي قهوته مبتسما ولم يتردد في القول:
– عين الصواب سي يحياوي، أنا معك فيما كل تقول! ..
استغرب يحياوي ردة الفعل، لكنه كان سعيدا بها، لأنها في نظره المخرج الوحيد الذي سيجنب البلاد المهالك السياسية، داخليا وخارجيا .. انسجمت جلسة الرجلين فيما بعد، وسادتها كيمياء عجيبة، ربما بسبب حرص الطرفين –فعلا- على تفادي أي انزلاقات قد تعصف بوحدة البلاد، وهنا سأل الشاذلي يحياوي:
– ماذا يمكننا أن نفعل الآن؟
رد يحياوي:
– سنطلب على الفور سي بيطاط، ونزوره في بيته، لننهي المسألة في أقرب وقت ممكن، فحال البلد لا يعجب (…).
لم يعط الشاذلي لنفسه ولا لضيفه فرصة استشارة الإطارات، سواء في الدفاع أو في الحزب، بل حمل هاتفه لينفذ رأي العقيد:
– مرحبا سي رابح.. جايين نشربوا عندك قهوة إذا سمحت، أنا وسي يحياوي ..
وما هي إلا دقائق .. حتى دخل الرجلان على بيطاط في بيته، محمليْن بحمل ثقيل، ومترددين حتى في من يعرض الأمر على رجل، يعرفه المحيطون به أنه بلا طموح ولا رغبة في المسؤولية، وسط حشد من القيادات والإطارات والضباط الطامحين ..
اكتملت مراسيم المجاملات بين الضيوف ومضيفهم، وحانت اللحظة التي ينكشف فيها سر الزيارة .. بقي الشاذلي كعادته مترقبا بينما راح يحياوي يشرح الموضوع بأناقة:
– سي بيطاط تعرف أن بلادنا في منعرج خطير، وأن المتربصين بنا في الداخل والخارج كثر، وقد جئناك نمثل هرم المسؤولية في مؤسستين هما الأهم في الدولة، الجيش والحزب ..
يتنهد بيطاط:
– خيرا إن شاء الله!؟
– نريدك أن تتحمل المسؤولية وتكون أنت هو الرئيس القادم للجزائر، وكلنا معك وخلفك وتحت تصرفك، حزبا وجيشا ..
هنا تدخل الشاذلي ليساعد رفيقه في الإقناع:
– إيه يا سي رابح، البلاد ماهيش مليحة .. وعلينا أن نتحمل المسؤولية أمام الأجيال ..
انتهت مرافعة الرفاق .. ليقابلها بيطاط بوجه مصفر ولسان مبعثر وعينين شاخصتين:
– شكون؟ أنا الرئيس! محال.. مانقدرش.. اسمحولي.. بزاف عليا.. مسؤولية كبيرة.. كاين خير مني.. لالا مستحيل.. اعفوني..
تدخل يحياوي لتهدئة بيطاط، لكن الرجل كان صارما، ولم يمهل نفسه حتى مهلة تفكير، وأعلن رفضه المطلق .. وعندما وصل النقاش الى الانسداد وأغلقت أبوابه بالشمع تدخل الشاذلي:
– شوف آ سي بيطاط، أنا عندي جولة في وهران لأربعة أيام .. خوذ وقتك وخمم .. عندما أرجع من وهران سنزورك مرة أخرى ونحسم الموقف..
ثم افترق الجمع محبطا، على أمل أن يراجع بيطاط نفسه ويستوعب الموقف..
سافر الشاذلي وعدد من الضباط المهمين إلى وهران، بينما عاد يحياوي في نفسية سيئة إلى بيته، مدركا أن حربا شعواء ستندلع على خلافة الرئيس، وأن واجبه كمسؤول عن الحزب أن يمنع وقوعها.. بفارغ الصبر انتظر يحياوي عودة الشاذلي من وهران، وقد توجس خيفة من بعض الضباط الموصوفين بضباط فرنسا، الذين أصروا على مرافقة الشاذلي إلى وهران، ولسان حاله يردد .. “ربي يستر” ..
لاحظ يحياوي حينما التقى الشاذلي بعد عودته، أن طريقة حديثه قد تغيرت، وتعامله مع موضوع بيطاط قد فتر إلى حد كبير، وطريقة كلامه اختلفت بالمطلق عن ذي قبل، ورغم ذلك، ترافق الرجلان إلى بيت بيطاط، ومثلما توقعا، وجدا الرجل على نفس موقفه، بل أكثر إصرارا على رفض المنصب, ربما صدقا مع النفس وإدراكا لكونها مسؤولية ثقيلة..
خابت الزيارة وعاد كل واحد إلى بيته دون حل .. بل دون أي ضوء يدل على الحل .. لكن الهواجس والمخاوف والشكوك بدأت تسيطر على يحياوي، الذي شعر أنه فقد تجاوب الشاذلي الرجل الأقوى في الجيش.. بعدها بيومين يرن هاتف يحياوي .. إنه الشاذلي بن جديد:
– سي يحياوي ممكن تجي تشرب عندي قهوة! ؟
طبعا؛ هذه المرة الزيارة مختلفة، فالشاذلي لم يسبق أن كان هو الطالب أو هو المبادر، ولذلك ظلت سبحة يحياوي تردد.. “ربي يستر” .. جلس الرجلان متقابلي،ن واستنفدا حديث المجاملات عن الأحوال الجوية، وأسعار الخضر والفواكه، وأحوال الناس. وعندما انتهت الكلمات بدأ “الرصاص”!:
– سي يحياوي طلبتك لنحسم الموقف في وضع البلاد الذي يؤول تدريجيا الى الخطر، وأنت ترى الجامعات تموج، والمقاهي تغلي، ومؤسسات الدولة على فوهة بركان .. يجب ان نختار الرئيس اليوم قبل الغد .. !!!
رد يحياوي على الشاذلي:
– نعم كل ما قلته صحيح، ولكن ما الحل؟
أعاد الشاذلي استجماع كلماته وقال:
– سي يحياوي، قد طلبتك لأقول لك إنني أتعرض لضغوط كبيرة داخل مؤسسة الجيش، لكي أكون انأ هو رئيس الجمهورية، فماذا ترى؟
تنهد يحياوي، وقد تحولت في ذهنه الشكوك إلى حقائق ورد قائلا:
– وأنت سي الشاذلي، هل ترى نفسك أهلا لذلك؟
رد الشاذلي:
– أكيد! إذا ناداني الواجب الوطني فلن أتردد..!

◄◄ يا الشاذلي .. يا بن جديد!
استوعب يحياوي بذكائه الموقف، وفهم أن الأمر قد قضي قضاء مبرما، في تلك الرحلة إلى وهران، وعاد إلى مكتبه مستسلما للوضع الجديد، وبينما هو مسترخ على أريكة مكتبه، دخل عليه من يقول إن ضباط الجيش والمخابرات قد اجتمعوا، ليلة أمس، في ثكنة برج البحري، التي كان يديرها العربي بلخير، واتفقوا على اسم الرئيس القادم، في غياب باقي أعضاء مجلس قيادة الثورة، ونقل الناقل ليحياوي أن النقاش كان محسوما في هذا الاجتماع قبل الجلوس، وقد فضه العقيد بلهوشات بكلمة عنيفة ارتجت لها ثكنة برج البحري، عندما قال لضباط الجيش والمخابرات وقد قام من مقعده معنفا:
– والو!.. الرئيس القادم لن يكون إلا أحد شخصين .. يا الشاذلي يا بن جديد!
سمع يحياوي هذا الكلام، وربطه بكلام الشاذلي وبموقف بيطاط، وبرحلة وهران، ففهم أن الأمر معقد، ويتجاوز بكثير قدرة الحزب على المقاومة السياسية .. ولكن ما الحل وماذا يمكن أن يفعل؟
في الصباح الباكر من اليوم الموالي، هاتف يحياوي بيطاط بوصفه الرئيس المؤقت للبلاد، وقال له يجب أن نجمع مجلس قيادة الثورة حالا، وما هي إلا ساعات حتى التأم الجمع بكل ما يحمل من أسماء وشخوص ثقيلة، كانت هي الأخرى تترقب وتنتظر وتطمح، ترؤس يحياوي الجلسة، بوصفه مسؤولا عن الحزب، بينما كان الشاذلي يقابله على الطرف الثاني من الطاولة، واستطرد متحدثا عن المرحوم بومدين وعن خصاله ونضاله وتضحياته، والأحلام التي توفي قبل أن يحققها. وعندما وصل الى بيت القصيد، قال لأعضاء مجلس قيادة الثورة: “ربما قد بلغكم أن الإخوان في الجيش قد رشحوا الأخ بن جديد ليكون رئيسا للجمهورية، فانظروا ماذا ترون ومن ترشحون، وأنتم أعلى هيئة تقود البلاد منذ الاستقلال، وكل من يريد الترشح له كل الحق في ذلك، والمجلس هو من يفصل” .. عم الصمت في القاعة الى درجة دفعت يحياوي الى توجيه الكلام مباشرة الى عبد العزيز بوتفليقة: “سي عبد العزيز ماذا تقول؟ .. رد بوتفليقة بهدوء: .. “يا سي يحياوي، أنا لو يعطوهالي في قفص من ذهب مانديهاش (…)”. وربما كان بوتفليقة يقصد الجماعة التي التقت في برج البحري وقررت دعم الشاذلي دون استشارة مجلس قيادة الثورة.. وبكلام بوتفليقة، انفض الجمع بالموافقة على تعيين الشاذلي رئيسا للجمهورية، حيث تم ترسيم الوضع في المؤتمر الرابع بداية 79 ..
وهنا يكذّب محمد الصالح يحياوي كل الأقاويل التي تدعي أن الرئيس بومدين قد ترك وصية باختيار الشاذلي رئيسا، مثلما روج لذلك بعض الضباط آنذاك، كما يستبعد ان تكون تشكيلة الحكومة التي أعلنها الشاذلي بعد تنصيبه هي أيضا وصية تركها بومدين، بل يعتقد يحياوي أنه بقدوم الشاذلي بدأ عهد جديد لا يمت بأي صلة لعهد الزعيم الراحل، الذي خطفه الموت قبل أن ينهي ما بدأه من مشروع، يقوم على بناء الإنسان قبل بناء الدولة.

في الجزء الثالث والأخير:
● الصدام مع الشاذلي
● صعود ضباط فرنسا
● سنوات الانتقام
● الحزب المريض

نشر