» أعمدة » معجزة محمد من منظور الدراسات التّاريخانيّة

معجزة محمد من منظور الدراسات التّاريخانيّة

علي خفيف

54 مقال
منذ أسبوع واحد حجم الخط طباعة |

 

التّاريخانيّة اتـِّجاهٌ نقديٌّ يَعتبـِرُ أنّ أيَّ منتوج فكريّ أو أدبي هو تراكم للخبرات السابقة، ويجب أن يكون نتاج زمان ومكان وظروف حضاريّة محدّدة، فلا يُفهَمُ أيُّ عملٍ فكريّ إلا من خلال سيّاقه التاريخي الذي نشأ فيه.. فهل يـُمْكِنُ–انطلاقا من هذا الـمنظور-للرسالة الـمُحمّدية أن تكون نتاجاً تَراكُميًّا لفكر البيئة الظّلاميّة الـجاهلية ؟!..تناول مالك بن نبي الموضوع من زاويةٍ لم يسبقْه إليهـا أحدٌ مستفـيداً من التـاريخ والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي، في كتابه “الظاهرة القرآنية”.. تتلخص فكرته حول صدق نبوة مـحمّد فيما يلي: إنّ هذا القرآن الـمذهل أتى به رجلٌ أمّيٌّ، لا يعرف القراءة ولا الكتابة..بدويٌّ، راعِي غنـم، في بيئةٍ جرداء، يلفّها الجهل، مقطوعة الصلّة بالحضارات والعلوم، لايـمكن أن يكون له من العمق الفكري والفلسـفي ما يـمكِّنُهُ أن يبتكر نصّـاً على هذه القيمة من الإعجـاز، فإذا قارنّا بيئة الرجل الأمي وثقـافته البسيطة بـما جاء في القرآن من إبداعٍ باهرٍ، نلحظُ بالعين الـمـجردة أننا أمام معجزةٍ حقيقيةٍ لا يـجادل فيها إلاّ مكابرٌ، مستغلقُ الـمشاعر، معصوبُ العين والوجدان..فكرة مالك بن نبي حول الإعجـاز تجسّدها الآية الكريـمة: “وما كنت تتلو من قبله من كتابٍ، ولا تخطّه بيمينك، إذاً لارتاب الـمبطلون”…

وإذا نظرْنا من منظور الدراسات التّاريخانيّة الحديثة فإنّ الـموضوعات التي تضمّنها القرآنُ الكريـم، إذا وضعناها في سياقها التاريخي نجدها تختلف عن الموضوعات التي كانت تُشغِلُ بَالَ الفكرِ الجاهلي البدائي.. فهي فوق مستوى الفكر الجاهلي، وفوق مستوى فكر محمد، وفوق مستوى عصره، وهو ما يُثبتُ أنّ القرآن ليس من كلام البشر. فالعرب لا يعرفون سوى الشّعر..والشّعر الجاهليّ متميّز بيانيّا فقط..بينما القرآن ليس معجزا بيانيا فقط..ليس معجزا بالنظم وحده، أوبخصائص كلماته وألفاظه، أو بحسن تأليف كلامه، ومـحكم أسلوبه، وقوة أدائه، وجـمال تصويره، وروعة موسيقاه، وجزيل عباراته… إنه ليس معجزا بـهذه الـخصائص الشكلية فحسب، رغم توفّرِها في نصوصه بشكل غير مسبوق..بل هو معجزٌ ببيانه، وبتشريعاته، وبإخباره عن الغيب، وبالقصص التاريـخية وما رواه عن أخبار الأمم الغابرة، وأخبار الأنبياء، والطواغيت، والظَّلَمة، والمفسدين في الأرض، وأخبار الـمؤمنين ونضالاتـهم من أجل الحق والعدل، بل حتى بنبوءاته الصادقة عن أحداثٍ كانت مازالت لـم تحدُثْ بعْدُ يومَ نزوله، وقد تحقّقَتْ واقعاً فيما بعد، ورآها الناسُ رأيَ العين، وهو معجز بما فيه من مبادئ العلوم، وما فيه من عمقٍ روحيّ، وأجواء نفسيّة تُعَبّـِرُ عن سعادة وسكينة الفطرة الإنسانية، إنه معجز بما فيه من حياة إنسانية تضطرم، وبـما يـُمثِّلُه من ثورةٍ ضد الـمترفين الذين كانوا يُعربدون بحياة الإنسان الـمستغلِّ الـمقهور، إنه معجزٌ أيضا بـما حمله من نموذجٍ لمشروعِ مـجتمعٍ جديد، يـختلف عن مـجتمع الجاهلية، إنه معجز بـما حمله من ثورة عارمة وتغيير جذري، كل ذلك يُشكِّلُ بِنَاءً عَقَدِيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً ونفسيّاً وتشريعيّاً ومعرفيّاً مُتَكامِلاً، لا يستطيع أن يأتِـيَ به راعي غَنَمٍ نشَأَ في بيئةٍ قاحلةٍ لا فِكْرَ فيها ولا قِيَم، ولم يُعْرَفْ عنه أنه كان شاعرا أو كاتبا أو مفكِّرا أو فيلسوفا..

نشر