» أعمدة » التّرجمة والأمن الثّقَافيّ الوطنيّ

التّرجمة والأمن الثّقَافيّ الوطنيّ

علي خفيف

54 مقال
منذ أسبوعين حجم الخط طباعة |

أنطلِقُ لمعالجة هذا الـموضوع من الـمعرض الدّولـي السّابق للكتاب، لأنّه يـُمثّل بالنسبة لي حدثاً رمزيّاً هامّاً، بصفته يعكس مستوى اهتمامنا بالـمنتج الثقافي والعلمي في وطننا، ولأنني أعتبر أنّ كلّ مشاكلنا في الجزائر وفي الوطن العربي بصفة عامّة، ذات أسباب وخلفيّات ثقافيّة بالدرجة الأولى.. لذلك فسأظلّ أُسجِّلُ الـملاحظات انطلاقا من الفعاليّات والـمُدَوَّنات الثقافيّة، للبحث عن أنساقها الـمُـضْمَرة ودلالاتـِها وانعكاساتـِها على الواقع.. من الـملاحظات البارزة التي لاحظتُها في الصالون الدولي للكتاب الأخير: غياب لافت للكتب الـمترجـمة الجديدة.. لقد أشرتُ في مقال سابق إلى سيطرة الكتب الإبداعيّة والذاتية مقارنة بالدراسات النّقدية والتحليلية العلميّة في المعرض، ومع ذلك فإنّنا إذا قارنّاها بالكتب الـمترجمة فسيبدو الأمر أكثر خللاً.. وللوقوف على حجم الخلل أكثر لنتأمّل الأرقام التّالية التي اسْتَقيْتُها من مصادر متعدّدة: تُتَرْجِمُ إسبانيا 100 مرة أكثر من العالـم العربي مُجتمعاً، بينما عدد سكّانـها أقل من سكان العالـم العربي بعشر مرات!.. وهي تترجـم في سنة واحدة أكثر مـما تَرْجـَمَهُ العربُ إلى العربيّة منذ عهد المأمون إلى اليوم!.. في دراسة لليونيسكو: العالـم العربي يترجم ثلاث مرات أقل من الأعمال التي تترجم في اليونان، بينما عدد سكان اليونان أقل 40 مرة من سكان العالـم العربي!.. وفي دراسة أخرى: يترجم العرب سبعة (7) كتب لكل مليون نسمة سنويا، بينما يترجـمون في المجر 519 كتاب لكل مليون نسمة!.. لاشكّ أن هذه الأرقام تـحمل دلالاتٍ مؤسفةً، بِغَضِّ النّظَر عن مدى دِقَّتِها، لأنها في مـجملها تعكس تـخلُّفاً فظيعا في مواكبة الـمعارف العالميّة والانفتاح على الأفكار الجديدة..

التقيتُ مرّةً أحد الأكاديـميين الجزائيين البارزين، وكان غاضبا جدا، لأنّ حِزْبَهُ قد رتَّبَهُ في الـمراتب الأخيرة ضمن قائمة الترشيحات إلى الانتخابات، بينما رشَّحُوا قبله أشخاصا عديـمي الـمستوى الثقافي والعلمي -حسب قوله- قال لي بعصبيّة: لو كان الأمرُ بيدي لاشترطتُ على من يترشّح أن يُـحْضِرَ جوازَ سفره، لِأَنْظُرَ هل سافر إلى بلدان أجنبيّة أم لا، ولا أُرَشِّحُ إلاّ الذين زاروا بلداناً كثيرةً، لأن ذلك يـَجعَلُهم يعرفون النماذجَ الناجحةَ ويـُخْرِجُهم من عقليّة القبيلة التي يستندون إليها في مـمارسة السيّاسة.. كنتُ أسـتمع إليه مُبْدِياً إعجابي بفكرته، ولـم تسـمح لي ثورةُ غَضَبِهِ أنْ أقولَ له، أنّ هناك طريقةً أكثر عمليّةً، لتحقيق الشرط الذي وضعه للترشح، إذ يكفي أن يسأل الراغبين في الترشّح عن عدد الكتب الأجنبيّة التي قرأوها.. أو على الأقل عدد الكتب الـمـترجـمة التي قرأوها.. لأنَّ التّرجـمةَ تُسَاعِدُ حقّاً، على الانفتاح وسعة الأفق والتّجدّد والتسامح وقبول الآخر.. خاصّةً إذا عرفنا أننا أصبحنا لا نُنْتجُ المعرفةَ في هذا الزمن.. فهذا واقعنا المرير.. ما يفرض علينا -على الأقل- أن ننقلَ إلى شعوبنا الـجديدَ الذي تُـنْـتِجُهُ الأمَمُ الأخرى في عالم الـمعرفة والـحياة.. ولا سبيل لذلك سوى الترجمة.. فهي نافذتُنا الوحيدةُ للانفتاح على العالم وللتعريف بـمنجزاتنا الإنسانيّة.. لذلك يصبح الاهتمامُ بالترجـمةِ قضيّةَ أمنٍ ثقافـيٍّ قومِيّ.

نشر