فتح الصحفي، محمد دلومي، قلبه لـ «الحوار»، بكلمات لخّص بها المشهد الإعلامي في الجزائر، والعقبات التي تقف في وجه الصحفي المثابر، معترفا أن الطريق شاق وصعب خاصة مع تفرق صف الصحفيين وعدم اجتماعهم على كلمة واحدة، وهو ما أضاع الكثير من حقوقهم، مؤكدا أن التميز تصنعه الإرادة، لكن الرداءة التي تحيط بالمشهد الإعلامي في الجزائر جعل تحقيق انطلاقة إعلامية حقيقية في بلادنا بعيد المنال.

 

*من «نوميديا نيوز» إلى قناة «الوطن» التي تم تشميعه ثم «الشروق تي في» لفترة وجيزة ثم الغياب، هل هو الانسحاب أو استراحة محارب أم البطالة؟

أولا أشكر جريدة «الحوار» على هذه الفسحة، أما فيما يخص سؤالك، فدعيني أقول لك ما زلت في المجال وما زلت أحارب، ربما ابتعدت عن القنوات، ولكني ما زلت في مجال الإعلام، أكتب عمودي اليومي في جريدة «المسار العربي» وبعض المقالات في الجرائد العربية، واشتغل بشكل رسمي في خلية إعلام بإحدى المجموعات الاقتصادية، يعني الأمر يتعلق بالبحث عن الاستقرار الوظيفي.

 

*هل نفهم من كلامك أن الإعلام لا يتوفر فيه الاستقرار الوظيفي الذي تنشده؟

هذا أمر مفروغ منه ولا يحتاج إلى شرح، إذا استثنيا وسائل الإعلام العمومية التي يوجد فيها استقرار بحكم المحفزات، وأيضا لأنها مؤسسات تابعة للدولة وخاصة للقوانين، بينما وسائل الإعلام الخاصة، حتى وإن كانت هناك قوانين، فإنها تخضع لمزاج الملاك والمدراء.

 

*كيف تقيّم تجربتك في القنوات الخاصة منذ التحاقك بها؟

للأسف منذ التحاقي بالصحافة قبل ظهور القنوات الخاصة، أستطيع أن أقول لك أني قدمت 20 بالمائة من مجهودي، بينما 80 بالمائة المتبقية كانت توزع بين إثبات الوجود ومحاربة المتملقين في قاعات التحرير، والتصدي لوشاة المدراء من الصحفيين ورؤساء الأقسام حفاظا على حقوقي المعنوية والمادية، والأمر نفسه كان في القنوات الخاصة أين يكثر الوشاة والمنتفعون، والذين يعرقلون مسيرة الصحفيين. وللأسف لا توجد أفكار جديدة، ولا جرأة في الطرح إلا ما ندر، وانسحب الكثير من أصحاب الأفكار الجادة والأقلام الواعدة وملأت مكانهم الرداءة، والذين يتم توظيفهم حسب طولهم وعرضهم.

 

* وجد الكثير من الصحفيين الجزائريين أنفسهم وجها لوجه أمام البطالة، والعديد منهم ينتظره نفس المصير لأسباب متعددة، في رأيكم ألم يحن الوقت لالتفاف للصحفيين الجزائريين حول مشروع يضمن لهم حقوقهم ومستقبلهم في ظل العديد من المتغيرات التي تعرفها الساحة الإعلامية اليوم؟

لو كان للصحفيين موقف لمَ حدث معهم هذا الذي يحدث اليوم، هل تعتقدين أن الصحفي الذي يساوم نائبا في البرلمان مقابل قسيمة بنزين أوبطاقة شحن هاتف نقال، يمكن أن تكون له كلمة وله صوت مسموع يوصل به مطالبه؟، ربما يوجد من الصحفيين من لهم النية الحسنة في مشروع يجمعهم ويحتويهم، ولكن مع الأسف الشديد الرداءة حطمت أي فكرة لانطلاقة حقيقية، وحين تطغى الرداءة فلا سبيل لأي محاولة إصلاحية في مجال الإعلام، والأفضل ترك العفن يصل مداه حتى يأكل بعضه البعض.

 

*ألا ترى أن «الفايسبوك» تحوّل إلى بديل وناقل سريع للأخبار، وتبادل وجهات النظر بين الصحفيين التي لا تجد مكانا لها في وسائل الإعلام التقليدية؟

ليس بالنسبة للصحفيين فقط، بل صار وكالة أنباء حقيقية تنقل منه وسائل الإعلام الأخبار الجديدة، وأبان على قدرات كبيرة في الطرح والأفكار ليس عند الصحفيين بل بالنسبة لشباب لم يشتغلوا أبدا في الإعلام، ولكنهم يعون جيدا حجم التحديات ويقرؤون الواقع بوعي يختلف عن وعي قاعات التحرير التي ما تزال حبيسة الأفكار النمطية لصحافة الحزب الواحد البائدة ومزاج المدراء.

 

*تملك الجزائر تجربة فتية في الإعلام المرئي الخاص، ورغم قصر التجربة إلا أن الميدان أثبت أن التفوق ليس حكرا على أحد، في رأيكم هل هناك مقاييس محددة لنجاح واستمرارية وسائل الإعلام في الجزائر؟

إذا شرعنا في المقارنة بين القنوات التلفزيونية الجزائرية، فالأكيد أن الكل يدلي بدلوه ويقدم هذه القناة عن تلك، ولكن إذا كانت المقارنة بينها وبين قنوات الجيران، فمع الأسف فإننا لا نجد لأنفسنا ترتيبا لأننا لم نصل إلى مقاييس الإعلام الحقيقي القائم على مبادئ تقنية ثابتة، فالكثير من ملاك الجرائد الذين أسسوا قنوات اعتقدوا أن إطلاق قناة يشبه إطلاق جريدة، لكنهم اصطدموا بواقع كبير، فمن الناحية التقنية يمكنك ملء جريدة من 24 صفحة في ظرف يوم واحد، لكن ملء قناة تلفزيونية بحصص وأخبار متنوعة ليس بالأمر اليسير والسهل، فإطلاق قناة يتطلب على الأقل 3 سنوات من التحضير « إنتاج أشرطة وريبورتاجات وحصص». ولأننا اعتقدنا أن إطلاق قناة كإطلاق جريدة، فإن بعض القنوات صارت تسرق جهود الآخرين من «اليوتوب» وتبثها على أنها إنتاج خاص بها رغم خطورة الأمر.

 

*مَن من الصحفيين الذين كانوا قدوة لك؟

بعيدا عن القدوة، هناك أسماء أحترمها لإنسانيتها ولعطائها، ولتواضعها، أذكر مثلا نصر الدين قاسم الذي كان مديري في قناة «الوطن»، وهو من هو في مجال الصحافة كان يسألنا ويناقشنا ويسمع لآرائنا، أذكر أيضا مرزاق صيادي، كان بمثابة صديقي ومعلمي وأخي الأكبر، ولن أنسى مدير جريدة «المسار العربي»، عبد الرؤوف عزيري، رجل متواضع ويعتبر الصحفيين في جريدته مثل أبنائه وأشقائه، يدعو الصحفيين  في رمضان للإفطار معه في بيته، ويلتقي بهم  في أيام العطل في المقاهي، في الوقت الذي يعيش فيه بعض المدراء في بروج عالية.

الصحفي الجزائري لا يحتاج إلى قدوة، بل إلى تواضع من كانوا بالأمس صحفيين، واليوم صاروا ملاك جرائد وقنوات.

 

الصحفي الإلكتروني  وما مدى مصداقيته؟

أعتقد أن تجربة الإعلام الإلكتروني تجربة أثبتت وجودها، في ظل جفاف الجرائد الورقية وغياب المعلومة الحصرية عنها إلا فيما ندر، فصارت وسائل الإعلام الإلكترونية هي مصدر المعلومة لوسائل الإعلام التقليدية.

 

*هل تعتقد أن الصحافة الإلكترونية ستطغى  يوما ما على نظيرتها الورقية؟

في المستقبل القريب ستظل الجريدة الورقية لها طعم خاص، ربما بالنسبة لجيلنا والجيل الذي كان من قبلنا، ولكن بما أنه لكل زمن ظروفه الخاصة فإنه من المنطقي القول في ظل السرعة والرقمنة والتكنولوجية، أن الصحافة الإلكترونية سيكون لها كلمتها ووقعها، حتى في أوروبا الجرائد العريقة بدأت تختفي وتظهر إلكترونيا، لأنها تريد التأقلم مع العصر القادم، الأمر تماما مثل الأجيال، فجيل الأطفال اليوم لهم ألعابهم الخاصة تختلف تماما على الأجيال التي سبقت، وهكذا الحياة كل مرحلة ولها طابعها الخاص، والصحافة لا تشذ عن هذه القاعدة.

 

*فتحت القنوات الخاصة المجال للوجوه الشابة والمبتدئة للظهور جعل المنافسة تشتد بينهم، ألا تعتقد أن ذلك أوقع الكثيرين في أخطاء مهنية كبيرة نتيجة نقص التجربة والتكوين؟

الأخطاء هي طريق التعلم، وأنا أحيي الشباب الذي يندفع في مجال الإعلام رغم الصعوبات ورغم التضييق ورغم الحصار، نحن أمام واقع وجب الاعتراف به، وهو أنه لا يوجد تكوين للصحفيين وملاك القنوات لا يهمهم ذلك، حتى إن كان ثمة تكوين فالمحظوظين من شلة مالك القناة هم من يحظون به، لهذا ما على الصحفي سوى الاندفاع والتعلم من أخطائه.

 

*هل فكرت في خوض غمار التجربة الإعلامية خارج الحدود، وتحديدا في القنوات الإخبارية العربية؟

لن أكون كالذين يصنعون هالة من حولهم على مواقع التواصل الاجتماعي بأن قنوات كبيرة اتصلت بهم ولكنهم رفضوا العرض، أنا أقولها لك وبالفم المليان لو تتاح لي ربع فرصة لما ضيعتها ولن التفت خلفي، بل أنا على استعداد للعمل نادلا في مقهى في أوربا على أن أكون صحفيا هنا.

*وكيف ترى تجربة جريدة «الحوار» وحضورها في الساحة الإعلامية الجزائرية؟

جريدة «الحوار» أعطت فرصة للشباب وصنعت منهم أقلاما، أتمنى أن تشذ عن قاعدة الجرائد الشبيهة بالقطط التي تأكل أولادها، مهما كانت أخطاء الصحفي وجب الحفاظ عليه، خاصة وإن كان من المؤسسين الذين وقفوا مع الجريدة في أحلك أيامها وليس من المنصف أنه حين يعم الخير يتم التخلي عنه، أرجو أن تكون «الحوار» منبرا للحوار  وهي أهل له، سيما وأن على رأسها صحفي مثل محمد يعقوبي.

حاورته: سهام حواس