هي أكثر من أنثى جميلة ذات حضور هادئ ومثير للإعجاب، هي إعلامية وكاتبة ذات قلم لا يكتب فقط بل يعزف سمفونية الجمال على أوتار روحية صادقة، هي إنسانة بلون ملائكي، قوية بنكهة ناعمة، سرعان ما يبث كلامها طاقة أمل عجيبة، ابنة لباحث ودبلوماسي سعودي كبير فشلت كل المحن الكبيرة التي عاشتها منذ صباها في سلب الأمل منها واستطاعت بعد مد وجزر أن تروض تلك المآسي إلى إبداعات تجلت في أكثر من مجال أبرزها كتاب “رياض لندن”، “شيء في صدري” الذي ولد من رحم تحديها لمرض سرطان الثدي لتقوم وفي خطوة جريئة في برنامج “سيدتي” الذي تقدمه على روتانا بحلق شعرها على الهواء بعد شفائها كخطوة منها لدعم كل مصاب بمرض السرطان. ضيفتنا المتألقة “أميمة التميمي” ستكشف لنا في حوار شيق أسرار حياتها وقوتها.

 

* بداية أميمة التميمي أحب أن أرجع معك إلى زمن ما قبل البداية، حدثينا أكثر عن طفولتك ماذا تركت فيك وماذا أخذت منك؟

– حتى نعود لطفولتي عليّ أن أوضح من أنا؟ أنا ابنة لرجل عظيم كان حبه وولاؤه للعائلة السعودية الحاكمة، وهو من أسس شجرة نسب آل سعود، كان مستشاراً لوزارة المعارف، مؤرخاً وباحثاً تاريخياً يترجم الوثائق التاريخية التركية إلى العربية، وكانت مقولته الشهيرة “ورثني علما ولا تورثني مالا”، لا أذكر كثيرا تفاصيل طفولتي معه سوى السنتين التي عشتها معه في تركيا حين كان مبتعثا من المملكة كـ “دبلوماسي”، توفي والدي وأنا في السابعة من عمري وكانت هذه أول صدمة في حياتي حيث شاهدته وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وأنا أيضا ابنة لسيدة قوية مضحية، صارمة في تربيتها، ترملت وهي في ريعان شبابها، واختارت أن تكرس حياتها لتربيتي، ربتني في زنزانة من حرير، لكنها مثال للمرأة القوية المضحية، وأنا الأخت الصغرى “آخر عنقود” كما يطلقون عليّ، فنحن عائلة تتكون من أحد عشر أخ وأخت من أربع أمهات مختلفات. عشت طفولتي محرمة من حب الأب وحنانه وكنت دائما أتساءل عما إن كانت حياتي ستختلف لو كان حيا؟ عشت كطفلة وحيدة بحكم فارق السن بيني وبين إخوتي حيث أنني أصغر عمرا حتى من أبنائهم، أخذ مني الحب وأنا صغيرة وتركت طفلة تشعر بالوحدة والحرمان.

 

* هل كانت فكرة الإعلام والأضواء حلم الطفولة أم كان دخولك وليد الصدف؟

– أبداً لم تكن فكرة الإعلام والأضواء حلماً طفولياً، وأبداً لم يخطر في بالي بأني سأكتب كتاباً في أي مجال..

فأنا بطبعي إنسانة خجولة، أختبئ وأتوارى عن الأضواء والأنظار، لكن تجربتي مع السرطان هي التي أخرجتني من شرنقتي عندما أحسست بالمسؤولية الاجتماعية تجاه غيري. كان أول ظهور تليفزيوني لي في قناة روتانا خليجية كضيفة في برنامج سيدتي عام 2014 بعد أن نشرت كتابي (رياض-لندن شيء في صدري) وبعدها توالت اللقاءات وعرضت روتانا علي أن أعمل كمذيعة لكني رفضت، لأني لم أسع خلف أضواء الظهور الإعلامي بقدر ما أريد أن تصل رسائل الأمل لغيري, لكن ضميري لم يسعه أن يرفض مشاركتهم في شهر أكتوبر فقط للتوعية بسرطان الثدي واتخذته منبرا لتصل رسائلي من خلاله.

 

* كيف واجهت فكرة غياب الأب خاصة أن قوانين مجتمعك ربما تتطلب وجوده بشكل عام لتسيير أمور الحياة، ومن أين كنت تستمدين قوتك للمواصلة في كل مرة؟

– في مجتمعنا السعودي حتى بعد غياب الأب هناك ولي الأمر لتسيير أمور الحياة، وفي حالتي كان أخي الكبير جراح القلب وعميد كلية الطب بالمنطقة الشرقية الدكتور توفيق التميمي رحمه الله، وبعد أن توفي أصبح أخي طارق هو ولي أمري.. وبعد وفاة زوجي ليس لي ولي وأقوم بمعاملاتي بنفسي، بل حتى أنني منحت من المحكمة حق الولاية على بناتي.

لكن قوتي بالتأكيد استمدتها من أمي رحمها الله التي بمثابة أيقونة للمرأة القوية والتي تعلمت منها أن الحياة تستمر حتى بدون رجل.

 

* مرض سرطان الثدي يعتبر تحديا كبيرا للمرأة المصابة خاصة أنها تعيش الكثير من المخاوف كاستئصال الثدي الذي يربك كل أنثى، فقدان الشعر والعديد من تلك المواجهات الصعبة, أميمة التميمي كيف استطعت تجاوز المحنة وتحويلها لمنحة من خلال الخروج بأعمال إبداعية مستلهمة من تلك المرحلة الصعبة ؟

– منذ اللحظة التي شخصت فيها بدأت توجهاتي الفكرية الإيجابية، لم يخطر ببالي أبداً ولو للحظة أنني ضحية سرطان الثدي أو أنه عقاب، بل اعتبرته تجربة حتى وإن كانت مؤلمة فعليّ خوض غمارها، بل محطة في قطار حياتي عليّ اكتشاف ما فيها وأكمل مشواري.. لم أكن أصارع الموت، بل كنت مفعمة بالحياة منهمكة في العيش، متمتعة بلذاتها وإبداعات صور خالقها.. كانت مغامرة شفاء ورحلة لاكتشاف الذات. لم أكن خائفة أو مرعوبة ويائسة ولا مستسلمة، بل محبة ومتفائلة ومسلمة بقضاء الله وواثقة في ربي ومحسنة ظني به، معلنة بذلك انتصاري.. لم أكن ضعيفة أو هشة ولا منكسرة، بل قوية وشجاعة ومحاربة صبورة وراضية ومندفعة للحياة. كنت عابرة في طريق الحياة حيلتي التضرع والدعاء، قوتي تنبع من عمق إيماني.. ضحكت أكثر مما بكيت واستمتعت بكل لحظة حتى حين ابتليت، حتى أنني دائماً أقول إن مغامرة شفائي والسبعة أشهر التي قضيتها في لندن للعلاج كانت أحلى أيام حياتي.

 

* كلمة لك استوقفتني كثيرا، “مرض السرطان ليس عقابا بل اتصال يأتي لإيقاظنا، اشرحي لنا أكثر كيف يمكن أن يكون كذلك؟

إن الله تعالى لا يأتي منه إلا كل خير، وإن أتانا شر فهو من أنفسنا. منحني ربي السرطان لأنه يحبني ولأنه أراد أن تتغير حياتي للأفضل. فالسرطان فتح أمامي أبواب السعادة بل هو النور في آخر النفق المظلم، لقد أفاقني من غفوتي، فقد كنت لا أعير الحياة أي اهتمام ولا أعيرها حتى نظرة اعتبار ولولا السرطان لما عرفت طعم الحياة ولذة العيش، فقد أتاني ليحدث انقلاباً فجّر طاقات كامنة بداخلي وبالتأكيد استحق مني شكراً في كتابي على تغيير مسار حياتي وإعادة اكتشاف ذاتي. فتجربتي لم تهزمني بل قوتني، لم تبعثر شتاتي وتكسرني بل على العكس لملمت أجزائي المبعثرة وأصبحت واعية بكل ما يجري بداخلي ومن حولي. لم أنغلق على نفسي خلف قضبان الخوف أو الخزي أو الحسرة والأسى! بل أصبحت روحية منطلقة متفائلة ومنفتحة على الحياة، تحيطني عناية الله بهالة من النور والطاقة الإيجابية لأعلن وداعي لكل ما حدث في الماضي متأملة كل الخير في مستقبلي.

 

* خطوة جريئة منك في برنامج سيدتي قمتي فيها بحلق شعرك على الهواء، ما الذي كنت تشعرين به أثناء الحلق وهل فعلا لم تعد تؤثر فيك التجربة ؟

– عندما قمت بحلق شعري منذ خمس سنوات لأني اضطررت حتى أخلص من الألم الثائر في كل بصيلة في رأسي، اكتشفت في ذاك اليوم جمالي الداخلي ولم أحزن على شعري ولم ينقصني عدم وجوده أنوثة أو جمال، لكن عندما حلقته بإرادتي كنت أريد من كل امرأة أن تعرف بأنها جميلة وقوية من داخلها وفي تلك اللحظة كنت أشعر بأن روحي محلقة بسلام داخلي لأني شعرت بأن رسالتي وصلت للسيدات. شعري لا يشكل لي أي أهمية وهو لا يُعرفني وأرفض أن أعامل وكأنني مجموعة أعضاء في قشرة خارجية يكسو رأسها شعر في ذاك اليوم كنت أحتفل بأني ناجية من السرطان على طريقتي فعوضاً عن تلقي الهدايا، قد أهديت كل نساء العالم شعري علهن يعرفن قدرهن ويدركن جمالهن وقوتهن.

 

* ما هي رسالتك اليوم إلى كل امرأة تعاني من السرطان ؟

– السرطان ليس إرهابياً بقنبلة موقوتة فوق ظهره، وهو ليس حكماً بالإعدام بل هو منحة ربانية وبداية حياة، عليك أن تكوني واعية وتدركي الهدف من ورائه، ثقي أن الله تعالى لن يعطيك شيئاً أنت لست قادرة على تخطيه فهو يسرى في عروقك وروحك من روحه. بإمكانك تخطي أي شيء حتى السرطان بإرادة وعزيمة قوية وتفاؤل وأمل يفوق الحدود وثقة بأن الله سيخرجك منها أفضل مما كنت.

 

*  عودة إلى مسارك المهني، تمتلكين خطا يبدو منفتحا ليبراليا في مجتمع محافظ إلى حد ما, هل تلقيت انتقادات، وهل يمكن لها أن يؤثر فيك؟

– قد يرى البعض أن قلمي ليبرالي منفتح، لكن تسطر أحرفي من قلبي وتبقى في إطار علاقتي بربي وما تمليه علي أخلاق ديني وضميري، أما بالنسبة للانتقادات فهي مفروغ منها بحكم الطبيعة البشرية التي يطغى عليها إلقاء الأحكام المسبقة بدون أي تفكر، والسلبي منها وخاصة غير البناء لا أتأثر بها لأنها مضرة على صحتي النفسية والجسدية.

 

* كلام كثير حول قانون رفع إجبارية الحجاب والعباءة في المملكة السعودية، هل أنت معه وما مدى صحة هذا الكلام؟

– لا أعرف مدى صحة هذا الكلام لكن برأيي الخاص المحجبة تبقى محجبة سواء في السعودية أو خارجها. لكن بالنسبة للعباءات فقد اختلفت وتطورت مع السنين حتى أصبحت الآن ملونة وأنيقة، وسوف تبقى لباسنا الرسمي داخل السعودية.

 

* ماذا أخذت أميمة التميمي من الدبلوماسي والباحث التاريخي الكبير محمد أمين التميمي رحمه الله ؟

– أخذت من والدي رحمه الله الخط الجميل كما يقول أخوتي أن خطي سلاسل ذهب مثل والدي، وبالتأكيد ورثت أسلوبه في الكتابة لكن أيضاً عندما كنت طفلة معه في تركيا، كنت أتحدث اللغة التركية بطلاقة بحكم أن والدي يجيدها لأن أمه تركية، وكنت في مدرسة هناك، وعندما عدنا إلى الرياض كنت أرفض التحدث بالعربية ولكني فقدت اللغة بعد أن فقدت والدي فهو الوحيد من كان يتحدث معي بالتركية.

 

* ما هي مشاريعك القادمة وما هي رسالتك التي تودين أن نبثها لمحبيك في الجزائر ؟

– في الوقت الحالي سوف أتابع الكتابة، حيث أنني أكتب قصتي باللغة الإنجليزية وبإذن الله أنتهي من كتابتها خلال الأشهر القادمة. أما رسالتي لكل المحبين في الجزائر، إن الحياة تجربة ومجرد التنفس مخاطرة، كل شيء ممكن ولاشيء مضمون، ولكنني أقف على بابكم في خشوع محبة وأقول لكم: سلموا مفاتيح غرفكم بدون خوف للذي خلقكم وأحسنوا ظنكم به تعالى فإنه يقول؛ “أنا عند ظن عبدي بي وعيشوا كل لحظة واستمتعوا بكل لحظة كتبت لكم فيها حياة ولا تموتوا وأنتم مازلتم على قيد الحياة بغض النظر عما تواجهوه بالإيمان، بالأمل والحب وقدروا الحياة، فإن حبكم للاستمرار في الحياة هو القوة التي تخنق الضعف والأمل الذي يحطم اليأس.

حاورتها: سارة بانة