» أعمدة » ثقافة الاختلاف والتّعايش المشترك.

ثقافة الاختلاف والتّعايش المشترك.

علي خفيف

54 مقال
منذ 3 أسابيع حجم الخط طباعة |

لقد أثبتتْ تـجاربُ التّاريخ، وأثبتَ الواقعُ أنّ تقسيم الأوطان يبدأ بإحداث حالات استقطاب حادَّةٍ في الأفكار تـمتدّ إلى الانتماءات العرقيّة واللغوية والقبليّة والـجهويّة وتنتقل في الأخير إلى الـمشاعر الـمتأجّجة، التي كثيرا ما تحجبُ العقلَ وترتدي دثار القداسة لتبرير الانتقام والثّأر والتعصّب والتّدمير.. والأمثلة الواقعيّة  من العالـم كثيرة، وليس ما يدور حولنا اليوم من تفتيتٍ لبعض الدول ،ومن نتائج ما يسمّى بـــــــ”الربيع العربـي” بـِخَافٍ على أحد..

 

والـمشْكِلةُ أننا مازلنا إلى اليوم، لا نـحاول ترسيخ ثقافة التعايش والقبول بالآخر فيما بيننا،بل رحنا نـحاول نقل صراعاتٍ باتَتْ من الـماضي، إلى أبنائنا وهم لـم يعايشوها،  نفعل مثلما كان العرب في الجاهليّة، يتوهـّمون أن القتيل إذا قُتِل، لا تـهدَأُ روحُه في قبره، حتى يأخذ أبناؤه بثأره، ولو امتدّت الحربُ بعدَه إلى أجيال كثيرة متعاقبة، حتى دامت بعضُ الحروب بينهـم أربعين سنة من أجل جـَمـَل رفَسَ قُــبَّرَةً!.. فهل من الـمعقول، مثلا، أنْ نُـحَاوِلَ بعد ستين سنةً من الاستقلال إعادةَ إحياء الصراع اللغويّ بين الـمعرّبين والـمفرنسين من جديد؟!..من أجل إثارة النّعرات اللغوية التي تـجاوزها الزّمن كثيرا،  لأنّ الأجيال الجديدة لـم تَعُدْ تعرف العُقدةَ اللغويّة،التي كانت تسبِّبُها عند الأجيال السابقة–غالباً- إعاقاتٌ ثقافيّةٌ، معقَّدةُ الأسباب والأهداف، والتي كثيرا ما كانوا يسعون إلى التغطيّة عنها باللجوء إلى حِيَلٍ دفاعيّةٍ تتجلّى في شكل صراع يلبس لبوس الإيديولوجيا والفكر.. فالواقع يكشفُ أن الأجيالَ الجديدةَ أصبحتْ متصالـِحَةً لغويّاً، بسعْـيِها لاكتساب أكثر من لغة، فهناك من يقرأ بالإنكليزيّة، وهناك من يقرأ بالأمازيغيّة، وهناك من يقرأ بالعربيّة وهناك من يقرأ بالفرنسيّة، وهناك كثيرون يقرأون بأكثر من لغة..

 

ولا وجود للصراع اللغويّ إلا في أذهان بقايا بعض الفصائلِ الـمتبقيَّةِ من عهد عَبْسٍ وذُبْيَان.. فهل من الحكمة أن نسعى إلى نقل أعطابنا الثّقَافيّة الـماضيّة إلى الأجيال اللاحقة.. ويصلح الـمثالُ على باقي النّعرات الـمتعلّقة بالإثنيّة والجهويّة والانتماء الايديولوجي.. لقد آن الأوان لأنْ يتوافق كلُّ الجزائريين على إذابة كلّ العصبيّات، ليحلّ مـحلّها سلوكُ الـمواطنة التي تقوم على الواجبات والحقوق وترفعُ الوطنَ فوق الجميع، ولا تـجعلُه رهينةً لفصيل، أو بقرةً حلوبا لآخر..

 

حينما نـحارب جـميعاً رُوحَ التعصّبِ فينا، ونـمتلك ثقافةَ الاختلاف، فنجعل من التعدّد غنى وثروة نوعيّة..حينها سترسو بلادُنا على توافقاتٍ رائعةٍ،ويقتنع الجميع أنّ الجزائر لا يستطيع أن يبنيها فصيل دون آخر، وأنـهم شركاءُ في خدمتها جـميعا، وليس بعضُهم أُجَراءَ عند البعض الآخر..حينها ستقتنعُ السُّلطةُ أن لا حلَّ دون الـمعارضة، وتقتنعُ الـمعارضةُ أن لا حل دون السُّلطة، ويقتنعُ جِيلُ الثورة أنه ليس أكثر وطنيّةً من أجيال الاستقلال، ويقتنع العلمانِـيُّ أنّه ليس في مقدوره أن يُلْغِيَ الـمتديِّنَ، ويقتنع الـمتديِّنُ أنّه ليس أكثر نزاهةً وقداسةً من غيره، وأنه لا يـحقّ له أن يوزّع صُكوكَ الغُفْران.. حينها تكون الدّيـمقراطيّةُ الـحقّةُ هي الـحَلُّ الذي يقودُ إلى تَنْميّةٍ شامِلَةٍ حقيقيَّةٍ، تـمَاماً مثلما استطاع آباؤنا بالأمس في الحركة الوطنيّة، أن يصنعوا من توجُّهاتـهم الفكرية العديدة تَوافُـقاً رائعا، فجّروا من خلاله أروع الـملاحم في التاريخ الحديث، وقد أسفرَتْ عن استقلال الجزائر.

نشر