مسلسل الاتهامات في المنطقة يشهد سيناريوهات متضاربة

 تتضارب التصريحات الأخيرة، خاصة مع ما يشهده الشرق الاوسط من سلسلة من الأزمات التي باتت العنوان الرئيس لسياسات بعض الدول العربية، ولعل ما صرح به مؤخرا وزير الخارجية السعودي عادل الجبير والذي جاء ملخص رسالته بـ “طفح الكيل” قاصدا ايران، يوحي وبقوة ان ما يتم تحضيره على الارض ليس ببعيد، ولعل ما توضحه هذه القراءات والتحاليل ان الموقف والدور الإيراني عبر “حزب الله” في اليمن اتخذته السعودية كمرجع حقيقي لخطر يحدق بمصالحها في المصطبة اللبنانية الجديدة، وهي خطوة يراها كثيرون ضرورية لحسم الموقف السياسي وكذا الأمني لهذه الدول، ولعل الداخل اللبناني يقر بحقيقة انه لا يريد ان يخسر السعودية بقدر ما يريد ان تبقى السعودية في مكان المراقب لا المتدخل في شؤونه الداخلية. تبقى المنازعات السياسية بين هذه الاطر اف وتلك محددة بما ستفرزه الايام المقبلة، خاصة مع انعقاد القمة الطارئة لجامعة الدول العربية، والتي من دون شك ستعرف محاور داخلية جديدة، على عكس ما عهدته القمم السابقة من عملية لحشد للمواقف وكشف للولاءات.

_______________________________

  • الكاتب الصحفي قوارف رشيد لـ “الحوار”:

هل تستطيع السعودية شن حرب بالوكالة على لبنان؟

يرى الكاتب الصحفي قوارف رشيد العلاقات السعودية الإيرانية أنها عرفت توترا ملحوظا منذ سنوات خلت، لكنها تفاقمت وتدهورت في الآونة الأخيرة إلى حد احتقانها، حيث سيطرت لغة الاتهامات المتبادلة بين المملكة العربية السعودية وإيران، وكان فتيل الشرارة الأولى على هامش زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية، مباشرة عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث أبرم عدة صفقات بمليارات الدولارات عائدا غانما سالما إلى بلد العم سام، بعدها مباشرة توترت العلاقات القطرية -السعودية، وفرضت هذه الأخيرة حصارا بشتى أشكاله على قطر، وإرغامها على تلبية شروط تعجيزية وضعتها في 13 بندا، هذه الشروط اعتبرتها قطر مجحفة، وبمثابة تدخل في شؤونها الداخلية، كغلق قناة “الجزيرة” وقطع علاقاتها مع بعض الدول وغيرها، مما أدى الى القطيعة التامة، رغم أن قطر عضو في مجلس التعاون الخليجي…

أما الأمر المهم والمحير والغريب فهو إعلان سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني استقالته من العاصمة السعودية الرياض! هذا ما يجعلنا نضع علامة استفهام كبيرة؟ ونفسر أن هناك حاجة في نفس يعقوب (السعودية) هل تريد السعودية شن حرب على لبنان بالوكالة؟ (حزب الله ) وذلك لكسر الذراع المانع والواقي لإيران لتحجيم الدور الإيراني في المنطقة والسيطرة عليها، لتصبح اللاعب الأساس والوحيد في الميدان.

هذا ويرى الكاتب رشيد أن حزب الله دولة داخل دولة، وأصبح عنصرا فاعلا في المعادلة السياسية والعسكرية، ليس في لبنان فقط وإنما خارج حدودها، وأصبح لاعبا أساسيا وإقليميا من خلفه الدعم الإيراني المستمر والدائم، وهو الامر الذي ادى الى انزعاج المملكة السعودية، وبدأت ببث سمومها القاتلة حيال الدور المتنامي لحزب الله، حيث صنفته مؤخرا ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية المتشددة، ويجب القضاء عليه بشتى الطرق، مشيرا الى أن تعاظم قوة حزب الله وإيران في المنطقة ودورهما الفعال في دعم القضية الفلسطينية، والقضايا العادلة في العالم أحرج السعودية والتي ستسعى بكل نواياها الكامنة والخفية بشن حرب ضد إيران من لبنان بموافقة ومباركة وتأييد مطلق من الإدارة الأمريكية، موضحا أن المواجهة الإيرانية السعودية اندلعت وبدأت تداعياتها تتفاقم دون إمكانية معرفة النتائج، وما ستسفر عنه، في الحقيقة أن المواجهة بدأت لحظة إعلان سعد الحريري استقالته من الرياض، مؤكدة ان المستهدف الأول هو حزب الله لأنه الذراع العسكري والسياسي لإيران.

________________________________

  • المحل السياسي والاقتصادي كمال رزيق لـ “الحوار”:

على الجزائر الثبات وآن لا تنحاز لأي محور

من جهته، يفسر المحلل السياسي والاقتصادي رزيق كمال الحالة التي تتواجد عليها الأزمة الدائرة في الشرق الأوسط، وبالأخص ما تعرفه المسرحية التي اخرجتها السعودية بإشراك لبنان والتي ستعود على المنطقة بكوارث جمة، معتبرا ان الرئاسة اللبنانية “خضرة فوق طعام” اذ يتواجه كل من فريق الرياض وفريق طهران بتسيير وتوجيه من مراكز الحكم للقوى الدولية، مشيرا الى ان التجربة اليمنية كانت واضحة المعالم، ولم تكن تفكر هذه المراكز إلا بإحكام قبضتها على البلد حيث شكلت أحزاب بوليسية كالمؤتمر الشعبي العام وكذا بعث إيديولوجيا سياسية دينية كالتجمع اليمني الإصلاح لتنتهي بميليشا مسلحة مدعومة من طهران والمسماة بمليشيا الحوثي.

هذا ويشبه كمال رزيق الحالة التي تتواجد عليها المنطقة الآن بما حدث سنة 2011 حيث حاول حزب التجمع اليمني للإصلاح، وبتمويل من قطر، الإطاحة بالنظام الحاكم، برغم انه جزء منه، والذين نجحوا في خلعه عن كرسي سلطة وفشل الديكتاتورية القمعي لعلي عبد الله صالح في ادارة اليمن، مشيرا الى ان المنطقة اصبحت مخبرا سياسيا وكذا سوقا اقتصاديا، وهو ما تشكله الزيارات المتكررة والمختلفة لكبرى الدول، وعلى سبيل الذكر لا الحصر زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للسعودية، والذي جاء من باب مساعدته اقتصاديا، لكن في مضمون الزيارة قامت باريس بصفقة عسكرية نتج عنها العديد من الاتفاقيات ذات البعد الامني من عتاد عسكري.

هذا وفي حديثه عن المستقبل القريب للمنطقة، يجد المحلل السياسي كمال رزيق ان ايران الآن تتجاوز كل الخطوط الحمراء، وهو الامر الذي ينعكس على حزب الله، والذي أصبح أداة للقتل والدمار، بما في ذلك تدريب الارهابيين الشيعة ومساعدة الحوثيين في المنطقة، الامر الذي شكل لها خلطة سياسية امنية ستشهد تطبيقاتها ان لم يحسب كل فريق بدقة خطواته القادمة، ويضيف ان الدول العربية الآن تمر بمرحلة لم تشهدها سابقا ولكنها وضعت من طرف مراكز القرار العالمي كورقة لتمرير مشاريع ذات بعد احتلالي من نوع اخر، وهو ما تجلى في الصراع السعودي القطري.

هذا وفي حديثه عن العلاقة بين الجزائر ومدى تموقعها في هذه الخريطة الجديدة التي تتشكل، اكد كمال رزيق ان على الجزائر تفادي الدخول في هذه الازمات المتسلسلة، وهو ما يقتضي عملها الآن شد العصى من المنتصف والتعامل مع التطورات بدقة وحساسية ولا لإطلاق تصريحات غير محسوبة قد ترمي بها في محور دون الآخر، ما يضعها في حسابات هي في غنى عنها.

_________________________________

  • الإعلامي والباحث السياسي اللبناني توفيق شومان لـ “الحوار”:

المنطقة على صفيح ساخن وأي خطوة غير مدروسة قد تهوي بها

 تدخلات بعض الدول الإقليمية ستزيد من الأزمة وتطيل في أمدها

  قمة القاهرة القادمة قد تشهد انسحاب العراق وقطر

  حاورته: سناء عبد الرحمان

 يرى الإعلامي والباحث السياسي اللبناني توفيق شومان، أن استقالة الحريري جاءت ضمن ظروف غير طبيعية وضمن خلفيات أثارت الشكوك حول أصل الاستقالة، لأنها جاءت من خارج البلاد ومن خارج الأعراف الدستورية المعروفة. هذا ويضيف الإعلامي أن المنطقة تمر بظروف حساسة للغاية، بل وخطيرة، وأي خطوة ناقصة وغير محسوبة النتائج بدقة متناهية قد تدفع إلى انهيار مريع.

 هل استقالة الحريري هي رصاصة الرحمة على صفقة التسوية التي جاءت به إلى رئاسة الحكومة؟

ـ لا شك أن استقالة الرئيس سعد الحريري تؤشر إلى سقوط التسوية السياسية التي أبرمها اللبنانيون، برعاية خارجية، في العام الماضي، وهذا يعني عودة لبنان واللبنانيين إلى مرحلة ما قبل التسوية العتيدة، التي شهدت فراغا رئاسيا، عاشه لبنان لأكثر من عامين، وربما يستعيد التاريخ نفسه في هذه الآونة، وإن بصورة مقلوبة، أي ان يعيش لبنان في المرحلة المقبلة “فراغا حكوميا”، يرتبط تمام الارتباط بالصراعات الإقليمية والدولية التي يعيشها المشرق العربي، بمعنى أن أي تسوية لرئاسة الحكومة اللبنانية باتت وثيقة الصلة بالتسويات على مستوى الإقليم.

 

لماذا اختار الرئيس عون الأوروبيين لبحث تداعيات الاستقالة؟

ـ قبل اتجاه الرئيس عون نحو الأوروبيين، كان أجرى استشارات سياسية على المستوى الوطني، واجتمع مع مختلف الأطراف السياسية والحزبية اللبنانية، واستمع لآرائها حول كيفية العمل بعد استقالة الحريري المحاطة بالأسرار والألغاز، بعد ذلك أجرى استشارات مع الدبلوماسيين العرب، والمحطة الثالثة كانت مع الاتحاد الأوروبي.

واقع الحال يقول، إن الأوروبيين، وتحديدا الفرنسيين، كانوا يشكون بخلفيات استقالة الحريري، وحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل الاجتماع مع الحريري خلال زيارته الأخيرة للعاصمة السعودية، ولم ينجح بذلك، هنا ارتفعت وتيرة الشكوك بالاستقالة ووتيرة الريبة بظروف الحريري في السعودية، وأظن أن الرئيس ميشال عون يبني تواصله مع الأوربيين انطلاقا من الشكوك التي تجمع بين بيروت والعواصم الأوروبية.

 

 هل يمكن تصور إمكانية نشوب حرب في المنطقة؟

ـ حتى الآن، لا توجد مؤشرات إلى وقوع حرب، ولكن هذا لا يعني استبعادها، إنما الشيء الأكيد الذي يجري في المشرق العربي أن مرحلة جديدة قد بدأت بعد شبه اندحار “داعش”، فالقوى الفاعلة تسعى لتقوية أوراق نفوذها وصولا إلى تسويات لا بد منها، ولكن قبل التسويات المنتظرة قد تشهد المنطقة شدا وجذبا كبيرين، وعلى ما أعتقد أن هناك نقطتي تجاذب، الأولى في اليمن حيث تعتبرها السعودية “خاصرة رخوة”، والثانية في سوريا، حيث تريد الولايات المتحدة إضعاف الحضور الإيراني في هذا البلد.

 

هل ساهم الحريري من غير قصد في تعزيز نفوذ حزب الله في لبنان والمنطقة؟

ـ للحريري خط سياسي مناوىء لحزب الله، إنما التسوية السياسية التي تم إنتاجها في العام الماضي سعت إلى إبعاد لبنان عن الاضطراب الأمني، وبالتالي عزل دورة الحياة السياسية اللبنانية عما يدور في المنطقة، للأسف هذه المحاولة لم تنجح، ولذلك جاءت استقالة الحريري ضمن ظروف غير طبيعية، وضمن خلفيات أثارت الشكوك حول أصل الاستقالة، لأنها جاءت من خارج البلاد ومن خارج الأعراف الدستورية المعروفة.

 

 لماذا فشلت السعودية وتيار المستقبل في إقناع العالم بأن الحريري غير محتجز في الرياض؟

ـ في الواقع، إن ظروف الاستقالة بحد ذاتها تنطوي على شبهة كبيرة، وإذا كان اللبنانيون قد انتظروا عودة الرئيس الحريري بعد الحوار التلفزيوني الشهير معه يوم الأحد الماضي، وقال فيه إنه سيعود بعد ايام إلى بيروت، فإن الأيام مرت، ولم يعد، والآن هناك دعوة فرنسية لأن يذهب الحريري مع عائلته إلى باريس، هكذا قال الرئيس ماكرون، وهذا يعني أن باريس مقتنعة ان الحريري يعيش وضعا غير طبيعي في السعودية، ومما يؤشر إلى أن الحريري قد لا يعود إلى بيروت، او غير مسموح له بالعودة.

 

 لماذا غابت الأزمة على الجامعة العربية؟

ـ يوم الأحد المقبل، سيجمتع مجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة، وهناك مسعى خليجي لإصدار قرار حول ما تسميه الرياض، التدخلات الإيرانية في الشؤون العربية، وإذا امتنع لبنان عن التصويت، قد يُصار إلى تجميد عضويته في جامعة الدول العربية، كما تقول معلومات الغرف المغلقة، وفي حال حدث ذلك، فإن دولا عربية، مثل العراق وقطر، قد تنسحب من الجامعة مثلما تقول المعلومات نفسها، وعلى أي حال، إن يوم الأحد لناظره قريب.

 

 ما السيناريوهات المتوقعة في نظركم مستقبلا؟

حقيقة الأمر، أن المنطقة تمر في ظروف حساسة للغاية، بل خطيرة، وأي خطوة ناقصة وغير محسوبة النتائج بدقة متناهية، قد تدفع إلى انهيار مريع، مع ذلك لا بد من بعض التفاؤل وكثير من الحكمة، ولعل الفرصة مناسبة في هذه المرحلة الدقيقة، أن يكون للجزائر التي تحظى باحترام كبير في العالم العربي، دور في إخراج المشرق العربي من داخل براميل البارود، التي لو انفجرت، فإن شظاياها وتأثيراتها، ستطال ما تبقى من عالم عربي، مشرقا ومغربا.