ما يلفت الانتباه في هذه الحملة الانتخابية للانتخابات البلدية والولائية التي ستجرى يوم الثالث والعشرين من هذا الشهر، أنها تؤكد على أن الشعب قد طلق السياسة بالثلاث، فالعزوف عن تجمعات ولقاءات المترشحين، ثم بعد ذلك عن المواعيد الانتخابية مثلما حدث سابقا، أصبحت ثقافة راسخة عندنا، بل وأصبحت قاعدة ثابتة وخاصية من خصائصنا، لا يشّد عنها إلاّ القليل!!.

ولهذا الطلاق السياسي أسبابه ودوافعه، منها الإرهاق الذي أصاب المجتمع جراء ما حدث له منذ الانفتاح السياسي في ثمانينيات القرن الماضي، ومنها غلاء وصعوبة المعيشة التي يكرس المواطن كل جهده ووقته لتحسينها، ومنها ضعف الخطاب السياسي عند أحزاب المعارضة وأحزاب الموالاة على حد سواء، ومنها غياب الشخصية القدوة والقادرة على إحداث التغيير، والمقنعة للشعب على الالتفاف حولها، وأهمها الديمقراطية الشكلية المطبقة، حيث جعلت لها السلطة شعارا: قل ما تريد وأنا أفعل ما أريد!!.

ولهذه الأسباب أرى بأن أولوية السياسيين في الوقت الراهن، ليس إقناع المواطن ببرامجهم الانتخابية أو الحزبية، وإنما العمل   على إقناعهم بضرورة المشاركة في الحياة السياسية، وأن التغيير الذي ينشده كل واحد منّا في عقله ووجدانه لن يتحقق إلاّ إذا مورس على أرض الواقع، دون كلل ولا ملل، ولسنوات عديدة.

حتما إن الطلاق الحاصل بين المواطن والسياسة سيخدم جهات عديدة، يُسّهل لها الطريق ويفتح لها الأبواب لتبقى في مناصبها، تقدم نفسها كبديل، وهذا في حقيقة الأمر ليس في صالح المواطن والوطن، وبالتالي ستتعاظم المشاكل، وسنتخلف أكثر، وسيضيع منّا الكثير من الوقت.

فلا حل أمامنا إذن إلاّ بضرورة العودة إلى الحياة السياسية، التصالح معها، أن نعطي لها أثمن أوقاتنا، أن نمارسها بإرادة قوية، وعزيمة صلبة، رغم العراقيل الإدارية، ورفض أولئك الذين يخافون نتائج الصندوق، فالتغيير المنشود لايمكن أن يتحقق بالتمني أو بالامبالاة أو بالهجران، وأنما يتحقق بالاهتمام والمتابعة والاستمرار، ولنضع في عقولها أو لنضف إلى مفاهيمنا أنه إذا كان    تطليق الزوجة أبغض الحلال عند الله، فإن تطليق السياسة أبغض الحرام عند الله، لأنه إذا أهملناها أفسدنا على أنفسنا دنيانا وآخرتنا.