بقلم محمد مرواني

حين كانت البلاد تشهد في أكتوبر 1988 تحولا سياسيا عميقا، سارع فيه النظام آنذاك إلى امتصاص الغضب الشعبي الذي حركته دواعي اجتماعية وسياسية بإقرار إصلاح شامل في الممارسات المؤسساتية والسياسات المنتهجة، توسم الكثير من المناضلين السياسيين أن التعددية والسياسية التي شُكّلت نتاج التحول السياسي بعد أكتوبر 1988 ستأتي بالخير للبلد، ورأى البعض أن هذا الجو السياسي الجديد قد يكون محفزا على بناء ديمقراطية حقيقية في الحياة المؤسساتية والسياسية، غير أن ما حدث في عشرية دموية قاتلة للآمال والأفاق والدمار الذي خلفه الإرهاب الأعمى في الجزائر، أعاد البلد إلى الوراء وأوقف كل مسارات الإصلاح السياسي الرسمي الذي بدت بوادره تظهر مع بداية التسعينات، والأهم هو أن الذي توقف أيضا عن النمو بالشكل الصحيح “تعددية سياسية تحركها عقول الساسة وترسخها مؤسسات الدولة وتنهض بها الأحزاب، لتكون واقعا وخيارا لا مفر منه لبناء الدولة المدنية والمؤسساتية”.

حين استرجعت البلاد أمنها واستقرارها السياسي، لم يتم الاستثمار الجيد في جو الأمن والاستقرار المؤسساتي الذي تعيشه مؤسسات الدولة الجزائرية إلى حد الآن، وخرجت لنا الاستحقاقات الأخيرة التي ستنظم في ماي المقبل، بأشياء غير مريحة على الإطلاق، منها الانتشار السريع لأصحاب النفوذ والمال في الساحة السياسية، وتموقعهم على الواجهة و في المقدمة.
هذا إخفاق سياسي في الحقيقة في تعميق ثقافة ديمقراطية وتعددية سياسية في بلادنا، فلا لوم على الوعاء الانتخابي الصامت الذي يتحفظ الآن على مصدقية الأحزاب ولا يشارك في بنائها، فالمسألة أخلاقية بالدرجة الأولى.

لذا، لو عدنا إلى السياق التاريخي الذي نمت فيه هذه التعددية السياسية، التي جاءت على عجل، لأدرك المتابعون لهذه التجربة السياسية الفتية أننا لم نبن مع هذه التعددية السياسية قيما قوية في مخيال الأحزاب، وعقول الساسة، ومفككي شفرة السلطة، لنصل الآن إلى تعددية سياسية لا تؤمن إلا بالكم، ولا تعبر عن الكيف، وهي تعددية سياسة لا توصل إلى السلطة، ولم تبن بعد جسر التدوال على قيادة الأحزاب وإدارة الشأن السياسي في مؤسسات الدولة المنتخبة.