» أعمدة » أدبٌ استعجاليٌّ أم صراعٌ ثقافيٌّ بين الأجيال؟

أدبٌ استعجاليٌّ أم صراعٌ ثقافيٌّ بين الأجيال؟

علي خفيف

51 مقال
منذ أسبوعين حجم الخط طباعة |

الأدب الاستعجالي مفهوم كثُـرَ تداولُه للتّعليق على كتّاب الرواية في فترة التسعينات في الجزائر، وقد يكون الروائيّ الطاهر وطّار هو أول من تعرّض للقضيّة، حيث استهجن الاستعجال في كتابة الأدب من أجل التسرع في الظهور ومنافسة الكبار رغم حداثة التجربة وغياب الموهبة في السنوات الأخيرة، بعد انتهاء المعرض الدولي للكتاب لاحظتُ أن الفكرةَ نفسَها بدأتْ تُطرح من قِـبَلِ جيلٍ ثانٍ، وكأنَّ ضحايا الأمس الذين كانوا يشتكون التهميشَ مـن الـجيل الذي سبقهم قد تسلّموا الـمشعل، وبدؤوا يضطلعون بـمهـمّة إقصاء من يليهم من الـمبدعين.. وبعد أن كان جِيلُ الروّاد يصف جيل التسعينات بالسّطحية والصحفية والتصوير الفوتوغرافي والتأريخ السريع لأحداث عابرة أو ظرفية أو استثنائيّة وعدم امتلاك الاستشراف والعمق الإبداعي، وكذلك اللغة والتقنيّة الروائيّة والموهبة والتجربة الكافية. أصبح اليومَ جيلُ التسعينات يرمي الجيلَ الذي يليه بالتسويقية والتّرويجية ويقولون إنّ نجاح الجيل الجديد  تتحكّم فيه إعجابات وردود أفعال جماهير الفايسبوك والإعلاميين والدعاية والإشهار، وليس النقاد والخبراء والأدباء، الأمر الذي كرّس كثيرا من الاستعراضيّة والشّعبوية والنّرجسية والدِّعاية الإعلامية والترويج الأقرب إلى التجارة والإشهار والتسويق…بَدَلاً من الفعل الثقافي القويّ والمُؤثِّر.. ويخشى هؤلاء إذا استمر الأمر على ماهو عليه أن يأتي يوم يصبح فيه عدد الروائيين أكبر من عدد القراء !..

في المقابل يدافع الجيل الجديد عن نفسه بأن مقولة الأدب الاستعجالي هي آلية دفاعية من الحرس القديم لتكريس نفس الوجوه، وللتقليل من أهمية ما يبدعه الجيلُ الجديد.. ويقولون إن ما كان يكتبه “جيل الكبار” أيضا يُعَدُّ تأريـخا لأحداث كانوا قد عايشوها في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، فقد كتبوا على التحولات والأحداث الـمختلفة التي عايشوها، فالطاهر وطار نفسه كتب عن الاشتراكية وعن الثورة الزراعية، مثل ما هو الحال في الزلزال، وكتب عن أحداث محدّدة مثل ما فعل في الشمعة والدهاليز مثلاً، كما كتب بعضُهم رواياتٍ عن تـجارب ومشاعر شخصيّة جدا.. والآن يرمون الجيل الجديد بالنرجسيّة والذاتية والتسويقية والسطحية والتصوير الفوتوغرافي والتأريخ السريع للأحداث العابرة، والتسرّع وعدم وضوح الأهداف وضبابية الـمشروع!..

بين هؤلاء وأولئك، نلاحظ أنّ طغيان النقاش حول الرواية بصفة خاصة فيه شيء من الدلالة على استسهال الـمركب، وذلك لقابليّة الكتابة الروائيّة بالذّات للتجريب والتطويع والتداخل بين الأجناس، وهو ما يفسر ندرة الكتب النقدية والدراسات التحليلية النفسية والاجتماعية والفلسفية في السّاحة لصعوبة المغامرة صوبها على عكس الكتابة الروائيّة.. وهو الأمر نفسه الذي أثار نقاشا عندما حاول الروائي سعيد خطيبي الفائز بجائزة كتارا للرواية طرحه في مقال له بجريدة القدس العربي حول عدم مواكبة الـمؤسّسة النّقديّة الجزائريّة للوتيرة الإبداعيّة بشكل مقبول.. فكان ممن اشتركوا في هذا النقاش الدكتور وحيد بن بوعزيز، حيث كتب على صفحته يومذاك ما معناه: أن غياب الـمؤسسة النقديّة لايعني أنّه لا يوجد نقّاد جيّدون، كما أنّ غياب مؤسسة للكتابة الروائيّة في الجزائر-من منظور علم اجتماع الأدب- لا يعني عدم وجود روائيين جيدين، وأنت واحد من الروائيين الـجيّدين (يقصد سعيد خطيبي)..

في الأخير، أرى أنّ الكثرة في الكتابة الروائية أو غيرها أفضل من النّدرة، وأنّ الكثرةَ والتنافسيّةَ تؤدّي لا محالة إلى الفرز الجيّد حينما يشترك النقاد والجامعيون في النقاش والإثراء.. فالعملة الجيِّدة دائما طاردة للعملة الرديئة في كل الأسواق..

نشر