» أعمدة » ماذا تَبَقّى من روح نوفمبر؟

ماذا تَبَقّى من روح نوفمبر؟

علي خفيف

51 مقال
منذ 3 أسابيع حجم الخط طباعة |

يمكن لنا الإجابة على السؤال أعلاه من خلال تحليل مستويين من الوقائع يعكسان قراءتين مختلفتين لتمـثّل روح نوفمبر، إحداهـما رسـمية، وأخرى عميقة، كما يلي:

على الـمستوى الرسمي: بَقِيَتْ من نوفمبر بعضُ الطقوس والاحتفالات والـمهرجانات والزيارات لمقابر الشّهداء لوضع الزهور والتّرحم..وبقي استقبالٌ رسميٌّ تـُنَظِّمُه الدولةُ، يحضره الوزراء وكبار الـمسؤولين، والسُّفَراء الـمعتمدون لتقديم التّهاني.. كما بقي عرضُ بعض التقارير حول الذكرى في نشرات الأخبار, وكذلك قراءة بعض رسائل التّهاني الواردة من قِبَل بعضِ رؤساء الدول والـملوك.. وبقِيَتْ أيضاً بعض الأغاني التي يعاد بـثُّها دائما، مثل “الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا” للحاج العنقة، و”بلادي أحبك فوق الظنون” لوردة.. ولا نجد أغاني جديدةً تُؤَلَّف في كلّ عام بمناسبة الذكرى للتّعبير على حدث كبير بحجم نوفمبر..كما بَقِيَتْ بعضُ الأفلام الثّوريّة الـجميلة التي يعاد بثُّها هي الأخرى دون أن يضاف إليها ما يعبّر على أنّ نوفمبر ما زال حَيّاً يُلْهِمُ الجيلَ الجديدَ من الكُتَّاب.. وبَقِيَتْ أيضاً بعضُ المظاهر الأخرى التي لا ترقى – رغم حسن النيّة- إلى تجسيد جوهر نوفمبر العظيم..

على المستوى العميق: قبل ذكرى أول نوفمبر الـمجيدة بقليل، كان أمام الـمركز الثقافي الفرنسي آلاف الشباب يتدافعون و”يترافسون” في طوابير طويلة، تحت عدسات التصوير، تاركين بينهم كثيرا من الإصابات والإغماءات في سبيل الفوز بتأشيرة إلى فرنسا!..وكان بعضُهم في الوقت نفسه يتدافعون سرا على ظهور قوارب للموت تشقُّ عباب البحر ليلا، وقد تركوا الجزائر وراء ظهورهم، أملا في الوصول إلى الضِّفَّة الأخرى، رافعين شعار: “ياكلنا الحوت وما ياكلناش الدّود” أو شعار “روما ولا هوما”!.. هي مشاهد تحـمل رمزيَّةً هامّة للدلالة على ماذا تبقى من روح نوفمبر، بدأتْ تُعْلِنُ عن نفسها منذ أن جاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، في زيارة إلى الجزائر، قبل سنوات، واستقبلتْهُ الجموعُ بالـهتاف الـحارّ، متوسِّلةً إليه أن يُغْدِقَ عليهـم بالتّأشيرات ليكونوا لفرنسا من الشّاكرين!..يحدث كلُّ هذا في الوقت الذي تُعتبَرُ فيه فرنسا هي الشريك الـمُفضَّلُ اقتصاديّا للجزائر، بـمعنى أنهم يأخذون الـمشاريع عندنا، من أجل أن يتسوَّلَ أبناؤنا الكرامةَ عندهم!.. ويبقى أن نتصوَّرَ لو يعود شاعر الثورة الـمباركة، مفدي زكرياء، ماذا سيفعل بـمقطع النشيد الوطني: “يافرنسا قد مضى وقتُ العتاب…وطويناه كما يُطوى الكتاب”؟

غير بعيد عن هذا السياق، وعلى أنقاض اللُّحْمَةِ الاجتماعية الوطنيّة ووحدة الـهدف والـمصير، التي بناها نوفمبر بالقِيَم وبالإسـمنت الـمُسَلَّح بين كل الفئات الشعبيّة، حلّ التفكُّكُ الاجتماعيُّ والتفكُّكُ الثقافي والفراغُ الفكريُّ والسياسيّ، ما أحدث تصدّعا كبيرا واستقطاباً حادّاً، بين فئات الـمجتمع الـمختلفة، ونشَأَتْ طبقاتٌ سياسيّةٌ وثقافيّةٌ وماليّةٌ، متصارعةٌ بشَكْلٍ غير حضاريّ، تـُمارِسُ في ما بينها الـحِقْدَ والإقصاءَ، وتتبادل المكائدَ التي لـم تكن بين صانعي نوفمبر..إنّ قراءةً تحليليّةً لـما سبق تكشفُ مستوى التحوّل الذي حلّ بالأمّة، بعد جيل نوفمبر، وتدلّ على مقدار الـهَدْر العبثيّ للطاقات الوطنيّة الرّمزيّة منها والبشريّة بعد أن أَهْدَرْنَا الطاقاتِ الـمادّيةَ والـماليّةَ.. فماذا سيبقى لنا من روح نوفمبر إذا أصبح هدف أبنائنا ونخبنا وثرواتنا الهجرة إلى فرنسا؟ أو إلى أيِّ مكانٍ آخر؟ ثـم ماذا سيبقى لنا إذا أصْبَحَتْ أهدافنا شتّى، وأصبحت قلوبنا شتّى؟ أين التَّعبئة الشّعبيَّةُ الشّاملةُ التي أحدَثَها نوفمبر بالأمس من أجل الـجزائر؟

نشر